سهيل يوسف ابو سعين تكتب: لكن أزمة المواطن أكبر من مسطرتك يا كامل إدريس

*لكن أزمة المواطن أكبر من مسطرتك يا كامل إدريس
في مشهدٍ لم يألفه السودانيون، ظهر السيد رئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس وهو يحمل عصا قياسٍ خشبية، يغرسها في الحوض الأرضي لإحدى الطلمبات، ليقول بثقة للعامل وللكاميرا: “قِس”. ثم خرج ليعلن للشعب السوداني: لا توجد أزمة بنزين.
نسمح لأنفسنا أن نختلف مع السيد رئيس الوزراء.
أولاً، لأن القياس في طلمبة واحدة لا يلغي أزمة بلد. الأزمة لا تُقاس بمسطرة في حوضٍ واحد، بل تُقاس بصفوف السيارات الممتدة بالكيلومترات من الرابعة فجراً، وتُقاس بموظفٍ يترك عمله ليبحث عن جالون، وتُقاس بسعر الجركانة في السوق الأسود الذي بلغ ثلاثة أضعاف سعره الرسمي.
ثانياً، وهي النقطة الجوهرية التي غابت عن المشهد، هذه الطلمبات التي تمت زيارتها هي في معظمها طلمبات قطاع خاص. الدولة لا تملكها ولا تدعم وقودها. فما جدوى أن نقيس حوضاً لا تملك الدولة قراره؟ هذا القياس قد يحل أزمة طلمبة واحدة، لكنه لا يحل أزمة وطن.
أزمة المواطن السوداني اليوم لم تعد أزمة بنزين فقط. البنزين هو مجرد رأس جبل الجليد الذي يظهر فوق الماء، أما الجبل الحقيقي فهو غارق في بحر من المعاناة.
تتحدثون عن وفرة الوقود، بينما تطبيق بنكك معطوب منذ ثلاثة أشهر، الناس لا تستطيع سحب أموالها، مرتباتها محبوسة، وتحويلاتها معلقة.
تتحدثون عن وفرة الوقود، بينما السوق يشتعل كل صباح بسعرٍ جديد: السكر يزيد، الدواء يزيد، المواصلات أصبحت لمن استطاع إليها سبيلاً، والمواد التموينية أصبحت حلماً، والجنيه ينهار أمام الدولار بلا رقيب ولا حسيب.
نحن لا نريد جولة تصوير، نريد قرارات مصيرية تضرب بيدٍ من حديد: قرارٌ يوقف انهيار الجنيه، وقرارٌ يدعم السلع التموينية، وقرارٌ يجعل الدواء بسعرٍ زهيد إن لم يكن مجانياً، وقرارٌ يصلح نظاماً مصرفياً معطوباً يحبس قوت الناس.
القياس الحقيقي ليس في باطن الأرض، القياس الحقيقي في بطنٍ خاوية، وفي جيبٍ فارغ، وفي صيدليةٍ لا يجد فيها الأب ثمن علاج ابنه.
انزل قِس السوق، قِس الملاحم، قِس الصيدليات، قِس معاناة الناس في المواصلات.. هناك ستجد الأزمة الحقيقية، وهناك فقط سيبدأ الحل.
عصا واحدة قد تقيس حوض بنزين، لكنها لن تقيس حجم وجع شعبٍ بأكمله.







