مقالات

مركز القلب بكسلا ،، من وجدانيات الأغنية إلى عافية الأبدان…. محمد السني يكتب

مركز القلب بكسلا ،، من وجدانيات الأغنية إلى عافية الأبدان
بقلم: محمد السني
لم يكن “القلب” في الوجدان السوداني مجرد عضلة تضخ الدماء في الجسد، بل كان وما يزال المستقر الأول للشجن، ومستودع الأسرار، والمحرك الأساسي لدواليب الفن والإبداع.

ففي ثقافة الشعب السوداني، يُختزل الإنسان كله في “قلبه”، به يحب، وعليه يحزن، وبنبضه يقيس مسافات الشوق والترحال.
حين نتأمل مدونة الغناء السوداني عبر تاريخه العريض، نجد أن شعراءنا وفنانينا جعلوا من القلب بطلاً للقصيدة ومحوراً للحكاية، فبين لوعة الشوق وسكون اللحظة، ظل الشاعر السوداني يخاطب قلبه باعتباره كائناً مستقلاً ، فيتساءل الشاعر بحيرة شفافة: قلبي مالو اليوم من جسمي فره وراح؟”، أو يناشده بحثاً عن استراحة بعد طول عناء: يا قليب أنا كنت قايلك تُبت من تعب السفر.
امتدت رمزية القلب في الموروث الغنائي لتعكس تقلبات العاطفة الإنسانية وتفاصيل الجمال المحيط به، فهو “قلبي الشلتوا جيبو”، وهو المحب الذي اختار شريكه بملء إرادته في “الوسيم القلبي رادو”، وهو المنقوش بالحب كما في “القليب الراسمو حنة”، بل يتجلى التوسل والنداء اللطيف لحماية هذا الفؤاد الرقيق من المجهول وعثرات الطريق كما في “قلبي البحب يا ريتو ما عرف الدرب”، لتأتي الأغنية السودانية وتجعل من ليل الفرح ملاذاً ومطبباً للجروح” ليل الفرح داوي القليب الانجرح”
هذا الحضور الوجداني الكثيف للقلب في الشعر والغناء يعكس محورية هذا العضو في تشكيل الوعي والوجدان، وكيف أن سلامته تعني سلامة الحياة بأكملها.
ولأن الحياة تتكامل حين يلتقي المجاز بالفكر والإنجاز، يتحول هذا الاهتمام الوجداني بالقلب إلى واقع ملموس يحمي أجساد المواطنين ويصون أرواحهم.
وفي خطوة استراتيجية عززت المنظومة الصحية في شرق السودان، افتتح وزير الصحة الاتحادي الدكتورهيثم محمد إبراهيم مركز كسلا لأمراض وجراحة القلب، والذي جاء إنجازه بثمرة شراكة ومساهمة مقدرة من الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، ضمن مسؤوليتها المجتمعية ودورها الراسخ في إسناد القطاعات الخدمية بالبلاد.
يمثل افتتاح هذا المركز المتخصص في ولاية كسلا نقلة نوعية في خارطة التغطية الطبية؛ إذ ينهي معاناة آلاف المرضى في الولايات الشرقية الذين كانوا يتكبدون مشاق السفر ورحلات العلاج المكلفة إلى العاصمة أو الخارج.
كما أن توفير خدمات جراحة وقسطرة القلب بأحدث التقنيات الطبية في ولاية كسلا يُسهم في تخفيف الضغط على المستشفيات المركزية، ويحقق مبدأ توطين العلاج بالداخل وتسهيل وصول المواطنين للرعاية الطبية والمستعجلة في أوقات قياسية.
إن العناية بالقلب لم تعد مجرد أمنية يصيغها الشعراء في قصائدهم للدواء من أوجاع الغرام، بل أضحت حقيقة مجسدة على أرض الواقع بفضل تكامل الجهود الحكومية والمؤسسية.
وكما نجح الفن السوداني في الحفاظ على سلامة الوجدان وجمال المشاعر، يجيء صرح كسلا الطبي ليحمي الأرواح ويداوى “القليب الانجرح” بمعناه الطبي والتنموي النبيل، مؤكداً أن الاستثمار في صحة الإنسان هو أسمى أشكال التنمية الاستراتيجية.
تقبل الله الجهود ،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى