سهيل يوسف ابو سعين تكتب: حين يصبح التعافي قضية وطن… حماية شبابنا من الإدمان مسؤولية الجميع

حين يصبح التعافي قضية وطن… حماية شبابنا من الإدمان مسؤولية الجميع
بقلم: سهيل يوسف
ليس الإدمان مجرد مشكلة صحية عابرة، ولا قضية تخص الفرد وحده، بل هو تحدٍّ يمس الأسرة والمجتمع والدولة، ويترك آثاره على الصحة النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ويهدد مستقبل شريحة مهمة من المجتمع، هي شريحة الشباب.
وفي ظل عالم سريع التغير، أصبحت صور الإدمان أكثر تعقيداً، فلم يعد الحديث محصوراً في المخدرات والكحول والمواد المؤثرة على العقل، بل ظهرت أنماط أخرى تستحق الوقوف عندها، من بينها الإدمان الإلكتروني، وإدمان بعض المواقع والمحتويات الرقمية، والقمار، وغيرها من السلوكيات التي قد تتحول تدريجياً إلى حالة تؤثر في حياة الإنسان وعلاقاته ودراسته وعمله.
ومن هنا تأتي أهمية أن نفتح النقاش بصورة علمية وإنسانية، بعيداً عن الوصمة والتنمر والأحكام القاسية التي قد تدفع الشخص المدمن إلى مزيد من العزلة بدلاً من طلب العلاج.
العلاج يبدأ بالفهم… والتعافي يبدأ بالأمل.
إن الشخص الذي يعاني من الإدمان يحتاج إلى علاج متخصص، وإلى أسرة واعية، ومجتمع داعم، ومؤسسات قادرة على توفير التأهيل والرعاية اللاحقة. كما أن الوقاية والتوعية لا تقلان أهمية عن العلاج، لأن حماية الشباب تبدأ قبل الوصول إلى مرحلة الإدمان.
وفي السودان، تزداد أهمية هذه القضية في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب وما صاحبها من ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية، الأمر الذي يجعل الحديث عن الصحة النفسية، والوقاية من المخدرات، والعلاج وإعادة التأهيل، مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الصحية والتعليمية والإعلامية والشبابية والمجتمعية.
وفي هذا السياق، تستعد منظمة بت مكلي القومية لتنظيم المؤتمر الدولي التاسع لتحديات علاج الإدمان في العالم العربي والإسلامي والأفريقي، خلال الفترة من 3 إلى 6 نوفمبر 2026 بالعاصمة السودانية الخرطوم، تحت شعار:
«تحديات علاج الإدمان في عصر العولمة والثورة الإلكترونية وحماية الشباب».
والمؤتمر الذي انطلق تنظيمه منذ عام 2018 يطرح هذا العام عدداً من القضايا المهمة، من بينها أنواع الإدمان وطرق العلاج وإعادة التأهيل، ودور المؤسسات التعليمية، والرياضة والفنون والإعلام والمنظمات في خفض الطلب على المخدرات وإزالة الوصمة، إلى جانب أثر الحرب في انتشار المخدرات وزيادة التعاطي، ودور الأسرة والرعاية اللاحقة، والتجارب الدولية في العلاج والتأهيل.
كما يفتح المؤتمر الباب أمام قضية أصبحت شديدة الحضور في حياتنا اليومية، وهي الإدمان الإلكتروني، وما يرتبط به من تحديات اجتماعية ونفسية وقضايا الأمن السيبراني والتشريعات وحماية النشء والشباب.
إن أهمية مثل هذه المؤتمرات لا تكمن فقط في انعقاد الجلسات وتبادل الأوراق العلمية، وإنما في قدرتها على تحويل المعرفة إلى سياسات وبرامج عملية، وبناء شراكات حقيقية بين المختصين والمؤسسات، والاستفادة من التجارب الناجحة في المنطقة العربية وأفريقيا والعالم.
كما أن إشراك الشباب في هذه القضية أمر أساسي؛ فالشباب ليسوا فقط الفئة الأكثر احتياجاً للحماية والتوعية، بل يمكن أن يكونوا جزءاً من الحل، من خلال المبادرات الشبابية والأنشطة الرياضية والثقافية والفنية والإعلامية.
ومن الجميل أن يصاحب المؤتمر عدد من البرامج التوعوية والرياضية والثقافية التي تعكس التنوع الثقافي السوداني، ومن أبرزها ماراثون التعافي الخامس يوم الجمعة 6 نوفمبر، من الساعة الثامنة صباحاً حتى الحادية عشرة صباحاً، إلى جانب الأمسية الثقافية التوعوية في اليوم الختامي.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى كل أسرة وشاب ومؤسسة هي أن الوقاية ليست تخويفاً، والعلاج ليس عيباً، والتعافي ليس مستحيلاً.
علينا أن ننتقل من التعامل مع المدمن باعتباره مشكلة إلى التعامل معه باعتباره إنساناً يحتاج إلى فرصة للعلاج والعودة إلى الحياة.
فالشباب هم ثروة السودان الحقيقية، وحمايتهم من المخدرات والإدمان ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية الأسرة، والمدرسة والجامعة، والإعلام، والمؤسسات الصحية، والمنظمات، والرياضة والفنون، وكل فرد في المجتمع.
فلنجعل من التعافي بداية جديدة… ومن حماية شبابنا مشروعاً وطنياً لا يتوقف.








