محمد شيخ العرب يكتب في “الواضح”: المخابرات العامة في العالم 2/2

الواضح
محمد شيخ العرب
(الحلقة ٢ من ٢)
المخابرات العامة في العالم
تتعدد أجهزة المخابرات في العالم، وتتباين اختصاصاتها وأساليب عملها، وفقاً لطبيعة الدول ومصالحها واستراتيجياتها. ومن أبرز هذه الأجهزة:
1. المخابرات السوفيتية.
2. وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
3. المخابرات البريطانية.
4. المخابرات الصينية.
5. المخابرات الألمانية الغربية.
6. المخابرات الحربية المصرية.
7. أجهزة المخابرات التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
8. المخابرات العسكرية الفرنسية.
9. المخابرات العسكرية الإيطالية.
10. المخابرات العسكرية التركية.
وهناك الكثير من هذه الاجهزة في انحاء العالم. ولكل جهاز من هذه الأجهزة مدرسته الخاصة، ومنهجه في جمع المعلومات وتحليلها، وتقدير المخاطر واستشراف الأحداث. فالمخابرات في عالم اليوم لم تعد مجرد عيون تراقب وآذان تتنصت، وإنما أصبحت علماً قائماً على المعرفة والتحليل والتقنية، والتجسس الإلكتروني، واختراق الأنظمة، ومتابعة مصادر المعلومات، والتأثير في صناعة القرار. ولاشك أن هناك أصول للجواسيس ولهم دوافعهم. فالذين وهناك من ينخرطون في عمليات التجسس من خارج الأجهزة الحكومية تحركهم دوافع متعددة، من أهمها:
أ/ الفقر والحاجة إلى المال.
ب/ الطمع في الثراء والرغبة في حياة اللهو والليالي الحمراء.
ج/ المعارضة السياسية والاختلاف الأيديولوجي.
وهناك دوافع أخرى، تدفع الشخص للانخراط في هذه الاجهزة كالابتزاز والانتقام والإغراءات المادية، أو الارتباط بقناعات سياسية وفكرية معينة.
أما صفات الجاسوس المحترف، فلا بد أن تتوافر فيه مؤهلات استثنائية؛ فالتجسس ليس عملاً عابراً، بل مهنة بالغة التعقيد، تتطلب أذكى الناس وأكثرهم جرأة ورباطة جأش، وقدرة على ضبط النفس وكتمان الأسرار، فضلاً عن التدريب المتخصص على أيدي الخبراء. فالجاسوس لا يكفي أن يكون ذكياً، بل عليه أن يمتلك قوة الملاحظة، وسرعة البديهة، والقدرة على قراءة النفوس وفهم السلوك البشري، والتعامل مع المعلومات بحذر ودقة.
ولعل أخطر ما في عالم التجسس أن المعلومة أصبحت سلاحاً لا يقل خطورة عن السلاح التقليدي؛ فالدول اليوم تخوض حروباً صامتة، تتجاوز الحدود والجغرافيا، وتُدار أحياناً من خلف شاشات الحواسيب، حيث تتصارع العقول قبل الجيوش.
غير أن المؤسف أن بعض أجهزة المخابرات في العالم الثالث انحرفت عن وظيفتها الأساسية، المتمثلة في جمع المعلومات وحماية الأمن القومي، لتتحول إلى أدوات للقمع والتعذيب وتكميم الأفواه، والحد من حقوق الإنسان والحريات العامة. وهنا تقع المأساة الكبرى؛ إذ تختلط حماية الوطن بحماية السلطة، ويصبح المواطن موضع اشتباه وملاحقة بدلاً من أن يكون صاحب الحق الأول في الأمن والكرامة.
ولنأتِ إلى السودان!
لا أدري ما المعايير التي يُختار بها الجواسيس والعاملون في أجهزة المخابرات السودانية! وهل تقوم هذه المعايير على الكفاءة والتأهيل والاحتراف، أم أن هناك اعتبارات أخرى؟
إن من أبجديات العمل المخابراتي أن السرية هي رأس المال الحقيقي، وأن كتمان الأسرار ليس فضيلة إضافية، بل شرط أساسي للنجاح. ولكننا نرى، ويا للأسف، من يطاردون الثراء ولا يحسنون صيانة الأسرار، مهما بلغت أهميتها وخطورتها! ومن باب المقارنة
المصريون، على سبيل المثال، راكموا خبرات وتجارب في مجال المخابرات والعمل الأمني، ولعل المقارنة بين صلاح نصر، رئيس جهاز المخابرات المصرية الأسبق، وصلاح قوش، رئيس جهاز المخابرات السوداني الأسبق، تفتح أمامنا مجالاً للتأمل في طبيعة التجربتين واختلاف مساراتهما.
وإذا انتقلنا إلى عالم الصحافة الاستقصائية، لوجدنا أن التجربة المصرية سبقتنا بسنين عدداً، من حيث المؤسسات الصحفية وجودة المحتوى والتأثير الإعلامي وصناعة الرأي العام.
أما الدبلوماسية المصرية، ومن باب المقارنة ايضا فقد تقدمت علينا بمراحل، وهنا يعتصرني الحنين إلى زمن الدبلوماسية السودانية الرفيعة، وإلى رجالاتها الذين رفعوا اسم السودان في المحافل الدولية. يا حليل أحمد خير المحامي، وزير خارجية حكومة الفريق إبراهيم عبود، ومحمد أحمد المحجوب، وجمال محمد أحمد، ومنصور خالد!
كانوا رجال دولة وفكر وثقافة، امتلكوا ناصية اللغة والحجة، وأدركوا أن الدبلوماسية ليست مجرد تمثيل رسمي، وإنما فن إدارة المصالح، وفهم موازين القوى، والدفاع عن كرامة الوطن ومكانته بين الأمم.
فأين نحن اليوم من تلك القامات؟ وأين مؤسساتنا من تلك المدارس التي صنعت للسودان حضوراً واحتراماً في العالم؟
إن المخابرات والصحافة والدبلوماسية عناصر أساسية في قوة الدول ومكانتها؛ فالأولى تحمي المصالح وتستشرف المخاطر، والثانية تصنع الوعي وتنقل الحقيقة، والثالثة تدير العلاقات وتحفظ مصالح الوطن. وحين تتراجع هذه المؤسسات، يتراجع معها حضور الدولة وتأثيرها. هكذا تُدار شؤون العالم اليوم، بالعلم والمعرفة والمؤسسات والكفاءات، لا بالشعارات وحدها.
فأين نحن من كل ذلك؟ وأين يقف السودان مما يجري حوله، والعالم يمضي بخطى متسارعة، ونحن ما زلنا نراوح مكاننا، كأننا خارج حركة التاريخ؟
إنها أسئلة موجعة، ولكن لا بد من طرحها، فالأوطان لا تنهض بالمجاملة، ولا تستعيد مكانتها بالصمت.
ولك الله يا وطني.
وعاش كفاح الشعب السوداني، حراً مستقلاً أبياً.







