د. معاوية عبيد يكتب في صرير القلم: القابضون على الجمر

صرير القلم : د. معاوية عبيد
القابضون على الجمر
هنالك مقولة شائعة تقول : ( القابضون على جمر القضية)، وهي عبارة تُقال في حق أولئك الذين يتمسكون بقضية يؤمنون بها ويصبرون على مشاقها ويتحملون في سبيلها الأذى والمحن، لكنني هنا لا أتحدث عن قضية سياسية أو اجتماعية وإنما عن قضية أعمق وأعظم إنها قضية الدين والتمسك به في زمن تتبدل فيه القيم وتتراجع فيه الأخلاق وتصبح فيه الفضيلة غريبة بين الناس .
توقفت علي الطريق لاحمل معي جاري و هو عائد من عمله (سائق بص سفري) ، وبدأ يشكو لي من سوء الموقف خاصة في مسألة الوقود التي عطلت عملهم و أصبحوا يقضون اليوم و الثلاثة و الأسبوع من أجل الحصول علي الوقود حتي يسيرون امور حياتهم و لكن هيهات يعودون خالي الوفاض إلا من إيمانهم بان الله هو الرزاق ذو القوة المتين ، لكن الحسرة تملأ قلوبهم من جشع و طمع إخوانهم في العقيدة و الوطن .
قال رسول الله صل الله عليه وسلم : ( يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر ) ، أولئك هم القابضون على الجمر الذين يتمسكون بدينهم رغم صعوبة الطريق ويصبرون على ما يواجهونه من فتنة واختبار ، ولكن ما الدين الذي نتحدث عنه؟
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صل الله عليه وسلم: ويل للعرب من شر قد اقترب، فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر أو قال على الشوك .
وفي رواية الترمذي: يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر .
قال العلماء: وذلك لكثرة الفساد والفتن والمغريات وقلة الأعوان على الطاعة، ولمشقة التمسك بالدين واتباع السنة يكون الملتزم بدينه كالقابض على الجمر أو الشوك، أولئك هم القابضون على الجمر الذين يتمسكون بدينهم رغم صعوبة الطريق ويصبرون على ما يواجهونه من فتنة واختبار ، ولكن ما الدين الذي نتحدث عنه؟
أريد هنا أن نأخذ الدين بمعناه الشامل لا أن نحصره في الصلاة والصيام والحج فهذه أركان عظيمة من أركان الإسلام نؤمن بها إيماناً قاطعاً ونؤديها امتثالاً لأمر الله وابتغاء مرضاته ،غير أن الدين ليس شعائر تؤدى فحسب بل هو منهج حياة وأخلاق ومعاملة وصدق وأمانة ورحمة وعدل .
إن الدين الذي نفتقده اليوم هو ذلك الذي يتجلى في تعاملنا مع الآخرين وهو ما عبّر عنه المعنى النبوي العظيم : ( الدين المعاملة )، وإن كانت هذه العبارة ليست حديثاً ثابتاً بهذا اللفظ، وهو الدين الذي تتجسد روحه في قول النبي صل الله عليه وسلم : ( إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ، لقد علّمنا رسول الله صل الله عليه وسلم كيف نتعامل مع الجار والأخ والصديق والزوج والزميل وكيف نكون رحماء في بيوتنا أمناء في أعمالنا صادقين في تجارتنا عادلين في خصوماتنا، علّمنا كيف نتعامل حتى مع من يختلف معنا في الدين فكان نموذجاً للرحمة والعدل والوفاء ،وقال صل الله عليه وسلم : ( وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ؟ .
فما بال ألسنتنا اليوم؟ نعوذ بالله من ألسنة طعّانة، لعّانة، لا تتورع عن السب والشتم ولا تعرف للكلمة الطيبة طريقاً ، أصبحنا نتفنن في جرح الآخرين وننسى أن الكلمة قد ترفع صاحبها درجات وقد تهوي به في دركات لا يعلمها إلا الله .
انظروا إلى الأسواق تجدوا العجب العجاب من الغش والتدليس والتطفيف في الميزان والاحتكار واستغلال حاجة الناس وانظروا إلى بيئات العمل تجدوا الخصومات والسباب وغياب الأمانة .
أما الطرقات فقد ضاقت بما تحمله من فوضى وسوء تعامل، وأما الأحياء فقد أرهقتها المياه الآسنة ومخلفات المنازل حتى أصبح بعض الجيران يؤذي جاره وينسى أن للجار حقاً عظيماً أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فهل نحن حقاً قابضون على الجمر؟
إن القابض على الجمر اليوم ليس بالضرورة ذلك الذي يكثر من الصلاة والصيام والتسبيح فحسب، وإنما هو الذي يحفظ لسانه حين يندفع الآخرون في الإساءة ويؤدي الأمانة حين يتهاون الناس ويصدق في تجارته حين يغش الآخرون ويعفو حين يقدر على الانتقام ويعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به .
إنه الذي يتمسك بالأخلاق في زمن أصبحت فيه الأخلاق عبئاً على البعض ويختار الصدق حين يصبح الكذب أقصر الطرق ويختار العدل حين يصبح الظلم أكثر ربحاً ويختار الرحمة حين تتوحش النفوس .
ولعلنا نحتاج اليوم إلى أن نراجع أنفسنا وأن نسأل كل واحد منا : أين أنا من الدين الذي جاء به رسول الله صل الله عليه وسلم؟ هل انعكست صلاتي وصيامي على أخلاقي؟ هل جعلني ديني أكثر رحمة بالناس وأكثر صدقاً وأشد حرصاً على حقوقهم ؟
يقول الشاعر:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
إن الدين ليس مظاهر نُحسن عرضها أمام الناس، ولا كلمات نرددها في المجالس، وإنما هو سلوك يظهر في المواقف، وخلق يتجلى عند الاختلاف، وأمانة تُختبر حين تغيب الرقابة.
تحسسوا من حولكم، وانظروا إلى أنفسكم قبل الآخرين من الذي لا يزال قابضاً على جمر الأخلاق؟ من الذي لا يزال يتمسك بالصدق والأمانة والرحمة في زمن تشتد فيه الفتن؟
ولعل ما نعيشه اليوم في السودان وما يشهده العالم من حروب وفتن واضطرابات يجعلنا أكثر حاجة إلى أن نتحسس قبضتنا على الجمر ،فقد جاءت هذه الحرب بما لم يخطر على بال وحملت معها أهوالاً ومآسي وشردت الناس من ديارهم وأزهقت الأرواح وأحالت مدناً عامرة إلى أطلال و وضعت الإنسان وأخلاقه وقيمه أمام امتحان عسير .
وقد أخبرنا رسول الله صل الله عليه وسلم عن زمن تكثر فيه الفتن ويشتد فيه القتل وتتغير فيه أحوال الناس فقال فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه :
( يتقارب الزمان وينقص العلم ويُلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج) قالوا : يا رسول الله أيما هو؟ قال : [ القتل القتل ] متفق عليه .
وفي صحيح البخاري عن الزبير بن عدي، قال 🙁 أتينا أنس بن مالك رضي الله عنه فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج، فقال : ( اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ) .
إنها أحاديث تدعونا إلى التأمل في أحوال الدنيا واستحضار حقيقة الابتلاء والتمسك بالدين في أزمنة الفتن .
وإذا كان رسول الله صل الله عليه وسلم قد حذرنا من الفتن فإن الواجب علينا أن نكون أكثر تمسكاً بديننا وأكثر حرصاً على أخلاقنا وأشد رحمة ببعضنا البعض ،فالحرب لا ينبغي أن تجعلنا نفقد إنسانيتنا ولا أن تتحول المحنة إلى مبرر للظلم أو الغش أو الكراهية .
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب بنا ليس أن تهدم بيوتنا وإنما أن تهدم أخلاقنا وليس أن تفرقنا في الأرض وإنما أن تفرق قلوبنا وتنتزع الرحمة من نفوسنا .
فلنتحسس قبضتنا على الجمر جمر الدين والأخلاق والإنسانية ولنراجع أنفسنا قبل أن نحاكم الآخرين فالقابض على الجمر في هذا الزمان هو الذي يحفظ لسانه ويصون أمانته ويؤدي حقوق الناس ويظل رحيماً بهم رغم قسوة الظروف .
القابضون على الجمر كثيراً ما يكونون قلة… ولكنهم، بإذن الله القلة التي تحفظ للأمة روحها وللدين معناه وللإنسانية وجهها الجميل .







