مقالات

ذهب الأرض يداوي جراح الحرب.. كيف تحولت “الموارد المعدنية” إلى شريان حياة للسودانيين؟ بقلم: محمد السني

ذهب الأرض يداوي جراح الحرب.. كيف تحولت “الموارد المعدنية” إلى شريان حياة للسودانيين؟
بقلم: محمد السني: نشر في مجلة الأمانة التابعة لمجلس الوزراء العدد(68)
في أوقات الحروب والأزمات، لا تُقاس قيمة المؤسسات الوطنية الكبرى بما تجمعه من أموال أو ما تحققه من أرقام في ميزانياتها، بل تُقاس بمدى وقوفها مع إنسان الوطن، وكيفية تسخيرها لثروات الأرض في خدمة الشعب الذي أنهكته الصراعات.
ومنذ أن اندلعت الحرب المفروضة على بلادنا وتضررت حياة الملايين نتيجة تمرد قوات الدعم السريع، واجه المواطن السوداني ظروفاً قاسية تعطلت معها الأعمال وجفت مصادر الرزق، فكان لا بد من وجود “سند” حقيقي يمسح دموع المحتاجين ويخفف كاهل المعاناة.
هنا، برز الدور الإنساني والوطني الكبير للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، التي اختارت ألا تنعزل في مكاتبها، بل نزلت إلى الميدان وأدركت أن ثروات المعادن لا معنى لها إن لم تُسهم في إنقاذ حياة السودانيين وتأمين عيشهم الكريم في الولايات الآمنة.
وحين تشتعل الحروب، يكون قطاع الصحة هو الضحية الأكبر، ويصبح المرضى خاصة أصحاب الأمراض المزمنة في مواجهة مباشرة مع خطر الموت، حيث واجهت مراكز غسيل الكلى في السودان ضررا كبيرا وتحديات معقدة بعد خروج مستشفيات العاصمة عن الخدمة ونزوح الآلاف إلى الولايات.
وفي هذه اللحظة الحرجة، تقدمت الشركة السودانية للموارد المعدنية لتقوم بدور “شريان الحياة”، حيث قامت بدعم جميع مراكز غسيل الكلى في الولايات الآمنة، ولم يكن هذا الدعم مجرد مساهمة عابرة، بل كان الفارق بين الحياة والموت لمئات المرضى؛ فوفرت الأدوية، والمستهلكات الطبية، وساهمت في استمرار تشغيل هذه المراكز بكفاءة لضمان ألا تتوقف ماكينات الغسيل عن العمل، مما أعاد الأمل لآلاف الأسر التي كانت تخشى فقدان ركائزها.
ولم تقف جهود الشركة عند حدود الدعم التقليدي، بل امتدت لترقية وتوطين الخدمات الطبية النوعية والمعقدة لتخفيف معاناة السفر عن كاهل المرضى؛ وتجسد ذلك مؤخراً في خطوتها الاستراتيجية بتدشين أول جهاز مناظير بمستشفى النساء والتوليد ببورتسودان، معلنةً في الوقت ذاته عن رعاية شاملة ودائمة لتطوير الخدمات الصحية في المستشفى والولاية.
هذا الإنجاز الكبير يمثل نقلة حقيقية لخدمة آلاف الأمهات والنساء اللواتي تكبدن مشاق النزوح، ويؤكد حرص الشركة على سد الثغرات الحيوية في الجسد الطبي وتوفير أحدث التقنيات العلاجية لتكون في متناول المواطن البسيط مجاناً وبأعلى كفاءة ممكنة.
ولم تتوقف جهود الشركة عند هذا الحد، بل تجسدت المسؤولية المجتمعية في أبهى صورها من خلال تمويل كامل لإدخال 12 ألف أسرة متعطلة عن العمل وبحاجة للمساندة تحت مظلة التأمين الصحي، وشمل هذا المشروع الضخم ولايات واسعة ضمت النيل الأزرق، القضارف، كسلا، البحر الأحمر، نهر النيل، والشمالية.
وإذا علمنا أن متوسط عدد أفراد الأسرة السودانية يتراوح بين 5 إلى 6 أفراد، فإن هذه المبادرة الإنسانية تعني عملياً مد مظلة الرعاية والأمان الصحي لأكثر من 65 ألف مواطن.
إن منح هذا العدد الكبير من الأنفس بطاقات تأمين صحي مدفوعة القيمة في وقت الحرب، يعني رفع همّ ثقيل اسمه تكاليف العلاج والدواء عن كاهل عائل الأسرة، لينام العامل البسيط، والنازح الذي فقد بيته، والمواطن الذي توقف مصدر رزقه، قرير العين وهو يعلم أنه إذا مرض أحد أفراد أسرته فسيجد الرعاية الطبية والدواء دون أن يضطر لمد يده أو بيع ما تبقى من متاعه القليل.
ويتكامل هذا العطاء الإنساني مع رؤية الشركة في دعم المجتمعات المحلية المستضيفة للنشاط التعديني، فهذه الأسر والمناطق هي الحاضن الأساسي لثروات البلاد، وفي أوقات السلم والحرب معاً، يستحق أهلها أن ينالوا ثمرة هذه الثروات المستخرجة من أراضيهم.
إن توجيه الدعم لخدمات الصحة والتعليم والبنية التحتية في هذه المناطق يمثل أسمى صور رد الجميل، وحينما تشعر الأسر المستضيفة بأن وجود شركات التعدين ينعكس إيجاباً على مستشفيات قريتهم وعلى صحة أطفالهم، يتحول النشاط الاقتصادي إلى شراكة مجتمعية متينة مبنية على الرضا والتكافل، ليصبح الذهب مستشفى يُبنى، ومريض يُعالج، ومستقبل يُؤَمَّن.
إن ما قامت وتقوم به الشركة السودانية للموارد المعدنية خلال هذه الحرب يؤكد للقاصي والداني أن كرامة الإنسان السوداني وصحته هما المورد الأثمن الذي تتكامل من أجله عوائد الاقتصاد، حيث تحولت أموال المعادن إلى جسور من التكافل خففت من وطأة النزوح، وأثبتت أن مؤسساتنا الوطنية قادرة على قيادة معركة التعافي الوطني جنباً إلى جنب مع معركة الكرامة.
وفي الختام، لا نملك إلا أن نتوجه بالدعاء الصادق إلى المولى عز وجل، ونبتهل إليه ، بأن يحفظ أهل السودان جميعاً، وأن يمنّ عليهم بنعمة الأمن والأمان والاستقرار، ونرفع أكف الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى بأن يسبغ على كافة أبناء شعبنا ثوب الصحة والعافية، وأن يشفي مرضاهم، وأن “لا يحوجهم أبداً لاستخدام هذه البطاقات العلاجية”، وأن يجعلها مجرد أمان في الجيوب، بينما تتمتع أجسادهم بتمام الصحة والقوة والعافية التي لا سقم بعدها.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى