القضارف لا تنسى سيرة الرجال … حسن أحمد فهمي ترحل ويبقى الأثر

🌳🌳 القضارف لا تنسى سيرة رجال وأثر
🌳🌳 النسخة الثانية 43
حين تصنع قسوة البدايات إنساناً يتسع قلبه للآخرين
عصامي التكوين ورجل الصلاح والتقوى وصاحب الأيادي البيضاء الذي جعل من العطاء سيرة حياة
هناك رجال لا تكفي المواقف المهنية وحدها لتقديمهم ولا تستطيع المناصب أن تختصر حكاياتهم لأنهم تركوا في حياة الناس ما هو أبقى من الإنجاز وأعمق من الحضور
رجال حين تقرأ سيرتهم تشعر أنك لا تقرأ تاريخ إنسان واحد وإنما تقرأ فصلاً من تاريخ مجتمع بأكمله لأن أثرهم امتد إلى ميادين العمل والبناء والخدمة والإصلاح والعطاء
ومن بين هذه القامات التي تستحق أن تتوقف عندها ذاكرة القضارف
الراحل شبخ حسن أحمد فهمي محمود
ذلك الرجل الذي اجتمعت فيه خصال العصامية والتدين وصدق المعاملة وقوة الإرادة وحب الخير
رجل لم تكن البشاشة تفارق وجهه ولا كانت حوائج الناس بعيدة عن اهتمامه عرفه الناس بالضحكة الحاضرة والروح الطيبة والسعي في الإصلاح وجبر الخواطر وحل المشكلات
لم يكن عنوانه منصباً ولا كانت قيمته فيما امتلكه وإنما فيما قدمه وفيما تركه من أثر في حياة الآخرين
من قسوة البدايات تشكلت إرادة الرجال
وُلد الراحل حسن أحمد فهمي محمود عام 1947م في أم درمان بمنطقة ود درو
وفي سنواته الأولى واجه ظروفاً قاسية تمثلت في فقد الوالدين وهي تجربة مبكرة كان لها أثرها في تشكيل وجدانه وشخصيته
انتقل إلى القضارف برفقة عمه محمد محمود المقاول وهناك بدأت رحلته مع مدينة أصبحت موطن حياته وعمله وامتداد عطائه
تلقى تعليمه في مدرسة ديم النور الابتدائية ثم سنكات الوسطى ومنها إلى الأحفاد الثانوية بأم درمان قبل أن يلتحق بالمعهد التقني لتأهيل المهندسين بأم درمان
كانت رحلة علم وتكوين لرجل لم تكن البدايات ممهدة أمامه لكنه امتلك إرادة صلبة وعزيمة جعلتاه يشق طريقه بالعلم والعمل والاعتماد على النفس
ولعل أكثر ما يمنح هذه المحطة معناها الإنساني أن الظروف التي واجهها في طفولته لم تجعله ينغلق على تجربته بل صنعت منه رجلاً أكثر إحساساً بآلام الآخرين وأكثر قرباً ممن يحتاجون إلى السند والرعاية
فلم تكن تجربته مع الحياة مجرد معاناة تجاوزها وإنما كانت درساً إنسانياً انعكس لاحقاً في مواقفه وأعماله ومبادراته الخيرية
الأسرة امتداد الود والوفاء
كان الراحل زوجاً وأباً وله ابن هو مسلم المتزوج من أسرة الدكتور الفاتح حسنين والمقيم في تركيا وله ابنة وحيدة هي سلمى زوجة المرحوم محمد الكناني التي انتقلت إلى رحمة الله تعالى
وتظل الأسرة من أعظم ما يتركه الإنسان في هذه الحياة وتبقى روابط المحبة والذكريات والامتداد الطيب جزءاً من سيرته التي لا تنفصل عن إنسانيته
نسأل الله أن يتغمد ابنته سلمى وزوجها محمد الكناني بواسع رحمته وأن يحفظ ابنه مسلم وأسرته وأن يجعل ما قدمه الراحل من خير وعطاء في ميزان حسناته
في ميادين البناء كان رجلاً يعرف قيمة الإنجاز
بعد إكمال دراسته استقر الراحل في القضارف وبدأ رحلته المهنية في التجارة والمقاولات متنقلاً في أعماله بين القضارف والحواتة والقلابات وكانت إقامته في ديم النور ثم ديم حمد وهو ابن عمه التوم محمد محمود
وبالعصامية والجدية وحسن إدارة العمل استطاع أن يصنع لنفسه مكانة بارزة في مجال المقاولات والإنشاءات وأن يكون واحداً من الرجال الذين شاركوا في تنفيذ مشروعات مهمة ارتبطت بالتوسع العمراني والخدمي لمدينة القضارف وولاية القضارف عموماً
لم يكن حضوره في هذا المجال مجرد ممارسة لنشاط تجاري بل كان حضوراً مهنياً في مرحلة كانت فيها المدينة تحتاج إلى الخبرات والإمكانات وسواعد الرجال القادرين على الإنجاز
فقد شارك في مشروعات بلدية القضارف ومنها دكاكين السوق الكبير والمجلس البلدي وأسهم في أعمال الطرق الداخلية والخارجية
ومن أبرز المشروعات التي ارتبطت بأعماله الطريق القومي من ود مدني إلى القضارف بالتعاون مع الشركات الإيطالية وطريق القضارف إلى القربة بالتعاون مع الشركات الصينية
كما امتدت أعماله إلى خزان مياه أبابيو وإنشاء أول كسارة حجارة في جبل أبو عوارة بود الدماك ومشروع بنك فيصل الإسلامي بالقضارف والصومعة الجديدة التابعة للبنك الفرنسي
وشملت مشروعاته كذلك طريق القضارف أم سقطة وكبري البارودي وتجديد شبكة توصيلات مياه القضارف وتركيب شبكة توصيلات اتصالات سوداتل وتوريد المواد وتنفيذ الحفريات المرتبطة بسد السرف إلى جانب عدد من الإنشاءات الخدمية ومشروعات حصاد المياه بولاية القضارف
وحين نستعرض هذه المشروعات فإننا لا نستعيد أسماء مواقع وأعمال فحسب وإنما نستحضر مرحلة من مراحل البناء ونقرأ من خلالها إسهام رجل وضع خبرته وإمكاناته في خدمة مشروعات تمس حياة الناس وتلبي احتياجات المجتمع
لقد كان من الرجال الذين عرفوا أن قيمة العمل لا تقف عند العائد المادي وحده بل تمتد إلى ما يتركه من منفعة وما يضيفه إلى المكان الذي يعيش فيه الإنسان
وهنا تتجلى العصامية في أبهى صورها حين يتحول الاجتهاد الشخصي إلى إسهام في بناء المجتمع وحين يصبح النجاح الفردي جزءاً من ذاكرة المكان
من نجاح الأعمال إلى مسؤولية المجتمع
لم تكن شخصية حسن أحمد فهمي محمود محصورة في عالم المقاولات والتجارة فقد امتد نشاطه إلى العمل العام والقيادي والخيري وتقلد عدداً من المواقع والمسؤوليات في بداية عهد الإنقاذ وحتى داهمه المرض عام 1997م
وكان أول قائد لقوات الدفاع الشعبي بالولاية الشرقية خلال الفترة من 1990م إلى 1997م
كما ارتبط اسمه بمنظمة الإيثار الخيرية وتولى إدارة منظمة البر الإسلامية وكان مؤسساً ومديراً للجمعية الطبية الإسلامية وله حضور ضمن منظمة الدعوة الإسلامية بالقضارف
وتكشف هذه المحطات عن شخصية متعددة الاهتمامات لم تحصر إمكاناتها في مجال واحد بل انتقلت من ميدان العمل والإنتاج إلى ميادين المسؤولية المجتمعية والخدمة الإنسانية والدعوة والعمل الخيري
لقد كان يرى في العمل العام مساحة لخدمة الناس وتحريك الطاقات وتوجيه الإمكانات نحو ما ينفع المجتمع
ولذلك لم يكن حضوره مرتبطاً بموقع واحد أو مهمة محددة بل تعددت مجالات عطائه بحسب ما تقتضيه المسؤولية وما تسمح به القدرة
حين يصبح الخير نهجاً لا مناسبة
إذا كانت مشروعاته قد تركت شواهد في عمران القضارف فإن مبادراته الإنسانية تركت شواهد أخرى في وجدان الناس وحياتهم اليومية
وهنا تتجلى خصوصية سيرة حسن أحمد فهمي محمود بصورة أكثر عمقاً
فقد تعامل مع العمل الخيري باعتباره مسؤولية دينية وأخلاقية وإنسانية لا ترتبط بمناسبة ولا تنتظر ثناءً أو مقابلاً
ومنذ عام 1980م ارتبط اسمه بمشروع مائدة الرحمن الذي بدأ في تواوا ثم امتد إلى أم قلجة في مبادرة جسدت معاني التكافل والتراحم والاهتمام بإطعام المحتاجين
كما قاد مشروع سقيا الماء واستنفر له طاقات الخيرين بولاية القضارف مدركاً أن الماء أساس الحياة وأن توفيره للناس من أعظم أبواب النفع والعطاء
وكان له دور في مشروع قطرة دم لإغاثة جرحى حرب الجنوب بالتعاون مع الجمعية الطبية الإسلامية والدكتور الدرديري رحمهم الله جميعاً
ولم يتوقف عطاؤه عند المبادرات العامة بل امتد إلى إعالة كثير من أبناء الشهداء بالتعاون مع منظمة الشهيد
وهنا لا بد أن نتوقف أمام معنى إنساني بالغ العمق
فالرجل الذي عرف مبكراً قسوة فقد السند أصبح سنداً لغيره والرجل الذي اختبر صعوبة البدايات جعل من مساعدة الآخرين جزءاً من حياته
لم يكن يرى في المحتاج مجرد حالة عابرة بل كان يرى إنساناً له كرامته وظروفه وحقه في أن يجد من يقف إلى جانبه
ومن هنا جاء ارتباط اسمه بلقب أبو اليتامى وهو لقب لم تصنعه المجاملة وإنما استمد معناه من مواقفه وأعماله واهتمامه بأبناء الشهداء ومن احتاجوا إلى الرعاية والاحتواء
إن أجمل ما في العطاء أن يتحول من فعل فردي إلى رسالة وأن يصبح الخير عادة متأصلة في الإنسان لا عملاً ينتظر مناسبة ليظهر
وهذا ما تمنحنا إياه سيرة الراحل من معنى يستحق أن يبقى في ذاكرة الأجيال
رجل الصلاح والتقوى وبشاشة كانت تسبق حضوره
لا تكتمل سيرة الإنسان بما أنجزه في ميادين العمل وحدها وإنما تكتمل أيضاً بما تركه في نفوس من عرفوه وعاشروه وتعاملوا معه
وكان حسن أحمد فهمي محمود من الرجال الذين أحبهم الناس لطيب معشرهم وبشاشتهم وحضورهم الإنساني
كان بشوشاً ضحوكاً طيب القلب فراجاً للهموم حلالاً للمشاكل محباً للخير والسعي في الإصلاح وجمع الكلمة
لم يكن يحتاج إلى التكلف ليكسب مودة الناس ولا إلى رفع الصوت ليكون مسموعاً فقد كان حضوره قائماً على الألفة وحسن التعامل وصدق المواقف
وكانت ضحكته جزءاً من شخصيته التي عرفها الناس بها وكانت بشاشته تخفف عن الآخرين وكان قريباً من الناس في أفراحهم وأحزانهم ومشكلاتهم
أما صلاحه وتدينه فقد انعكسا في سلوكه وتعاملاته وفي حرصه على نفع الناس وإعانة المحتاج والسعي في قضاء الحوائج
فالدين ليس كلمات تقال فحسب بل قيم تظهر في الرحمة والصدق والأمانة والإحسان وجبر الخواطر
ومن هنا كانت شخصيته تجمع بين قوة العمل ولين المعاملة وبين تحمل المسؤولية وسعة الصدر وبين الطموح المهني والحرص على الخير
سيرة اجتمعت فيها وجوه العطاء
حين نضع محطات حياة حسن أحمد فهمي محمود إلى جوار بعضها ندرك أننا أمام تجربة إنسانية ومهنية متعددة الجوانب
رجل بدأ من ظروف صعبة فصنع طريقه بالعلم والإرادة والعمل
ورجل شارك في مشروعات عمرانية وخدمية مهمة وأسهم في مراحل من مراحل تطور القضارف
ورجل تقلد مسؤوليات قيادية وأسهم في تأسيس وإدارة مؤسسات ومبادرات ذات طابع خيري ودعوي وطبي
ورجل جعل من خدمة المحتاجين ورعاية أبناء الشهداء وإطعام الناس وسقياهم جزءاً أصيلاً من حياته
وهذه الجوانب مجتمعة هي ما يمنح سيرته قيمتها التوثيقية والإنسانية
فليست العبرة بعدد المشروعات وحده ولا بعدد المواقع التي تقلدها الإنسان وإنما بما أضافه إلى حياة الناس وبما بقي من أثره بعد أن غادر مواقع العمل والحضور
لقد كان حسن أحمد فهمي محمود واحداً من أولئك الرجال الذين اتسعت حياتهم لأكثر من ميدان وكان الإنسان حاضراً في كل ميدان طرقه
حين يرحل الجسد ويبقى أثر الإحسان
رحل حسن أحمد فهمي محمود لكن سيرته لا تقف عند لحظة الرحيل لأن بعض الرجال يتركون وراءهم من المعاني ما يجعل حضورهم ممتداً في ذاكرة المجتمع
يبقى أثرهم في مشروع شاركوا في إنجازه وفي أسرة وجدَت منهم عوناً وفي محتاج امتدت إليه أيديهم وفي مبادرة خيرية حملوا مسؤوليتها وفي إنسان يتذكر ابتسامتهم وطيب معاملتهم
رحل العصامي الذي لم تمنعه قسوة البدايات من أن يصنع لنفسه مكانة بين الرجال
ورحل صاحب الأيادي البيضاء الذي لم يحصر النجاح في مصلحته الشخصية
ورحل الرجل البشوش الذي جمع بين جدية العمل وخفة الروح وبين قوة الشخصية ورحابة القلب
رحل أبو اليتامى تاركاً خلفه سيرة تستحق أن تُروى وقيماً تستحق أن تُحفظ وأعمالاً نرجو أن يظل نفعها ممتداً
نسأل الله أن يغفر له ويرحمه رحمة واسعة وأن يجعل كل مائدة أقامها وكل قطرة ماء سعى إليها وكل مريض أعان في علاجه وكل أسرة ساندها وكل محتاج امتدت إليه يده وكل عمل نافع شارك فيه في ميزان حسناته
وأن يجعل ما قدمه في حياته شفيعاً له وأن يجزيه عن القضارف وأهلها خير الجزاء
سلام على روحك يا شيخ حسن أحمد فهمي محمود
سلام على رجل جعل من تجربته الإنسانية باباً للرحمة ومن نجاحه المهني طريقاً للبناء ومن مكانته بين الناس وسيلة لخدمتهم
لقد تركت في القضارف شواهد عمل وفي قلوب من عرفوك ذكريات طيبة وفي ميادين الخير أثراً نرجو ألا ينقطع
وستبقى سيرتك شاهداً على أن الرجال لا يُقاسون فقط بما شيدوا من مبانٍ أو تقلدوا من مواقع وإنما بما شيدوا في حياة الناس من معاني الخير وبما تركوه من أثر طيب
فما أجمل أن يعيش الإنسان فيكون نافعاً وما أعظم أن يرحل ويبقى نفعه حاضراً في ذاكرة الناس
رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته
✍️ منونة بت الشيخ حمد








