رأي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»: اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد.. تشكيل الرؤية وتوحيد القرار

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»:

اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد.. تشكيل الرؤية وتوحيد القرار

قبل أسابيع، طرحنا عبر هذا العمود فكرة تكوين لجنة عليا تُعنى بملف الاقتصاد السوداني في هذه المرحلة الدقيقة، انطلاقاً من أن الظروف التي تمر بها البلاد تفرض جمع الجهود حول رؤية واحدة، تربط بين الخبرة والقرار، وتضع الاقتصاد في مقدمة ملفات البناء بعد الحرب، واليوم يأتي تكوين اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد متوافقاً مع هذه الرؤية، باعتبارها خطوة يمكن أن تسهم في ترتيب العمل الاقتصادي إذا ارتبطت بمهمة واضحة وإطار تنفيذي قادر على تحويل الأفكار إلى برامج عمل، فالقضية ليست في إنشاء جسم جديد بقدر ما هي في القدرة على تشكيل رؤية موحدة وتوحيد القرار بما يخدم مستقبل البلاد.

إن أهمية اللجنة لا تكمن في مجرد تشكيلها، وإنما في طبيعة الدور المنتظر منها خلال مرحلة تتداخل فيها التحديات الاقتصادية، فالاقتصاد السوداني يواجه ملفات مترابطة تبدأ من الإنتاج ولا تنتهي عند الأسواق والاستثمار والصادرات والتجارة الخارجية والتشغيل والأمن الغذائي والطاقة، وهذه الملفات لا يمكن التعامل معها بصورة منفصلة، لأن حركة الاقتصاد تقوم على ترابط حلقاته، ولذلك فإن النجاح الحقيقي سيكون في قدرة اللجنة على جمع هذه الأولويات داخل رؤية واحدة تساعد على ترتيب الجهود واتخاذ قرارات أكثر ارتباطاً بالواقع واحتياجات المواطن.

ومن هنا فإن الإطار التنفيذي للجنة ينبغي أن ينطلق من مسماها نفسه، فهي لجنة وطنية لإدارة الاقتصاد، والإدارة هنا ليست مجرد متابعة أو إصدار توجيهات، وإنما هي عملية متكاملة تشمل التخطيط والتنسيق وترتيب الأولويات وتنظيم الموارد وربط السياسات بالتنفيذ ومراجعة النتائج، بحيث تتحول الرؤية الاقتصادية إلى برامج عمل واضحة، ويصبح القرار مبنياً على المعلومات والدراسات والقراءة الدقيقة للواقع، لأن المرحلة الحالية تحتاج إلى إدارة واعية تجمع بين سرعة الإنجاز وحسن الاختيار.

وتحمل كلمة “الوطنية” في مسمى اللجنة دلالة مهمة، فهي تشير إلى أن الاقتصاد في هذه المرحلة قضية دولة ومجتمع، وليست ملفاً يخص جهة بعينها، ولذلك فإن نجاح اللجنة يرتبط بقدرتها على جمع الخبرات والطاقات وتوجيهها نحو رؤية واحدة تخدم المصلحة العامة، فالقضية الاقتصادية تمس المواطن في حياته اليومية، كما تمس قدرة الدولة على البناء وتحقيق الاستقرار.

وتزداد أهمية هذا الدور في ظل ما خلفته الحرب التي شنتها المليشيا المتمردة على الدولة من دمار واسع في البنية التحتية والمشروعات الإنتاجية ومرافق الخدمات، الأمر الذي يجعل إعادة الإعمار واستعادة كفاءة الخدمات وتحريك عجلة الإنتاج من أكبر ملفات المرحلة المقبلة، إلى جانب إسناد معركة الكرامة وجهود بسط الأمن وتحقيق الاستقرار وحماية وحدة البلاد واستقرارها، لأن الاقتصاد لا يمكن أن ينهض بعيداً عن الأمن، ولا يمكن أن تستقيم عملية البناء إلا في بيئة مستقرة تتيح للإنتاج والاستثمار والخدمات أن تستعيد دورها.

وتقدم بعض التجارب الدولية دروساً يمكن الاستفادة منها في هذا المجال، فقد اعتمدت رواندا على مجلس التنمية في رواندا في تنسيق جهود الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال وربطها بأهداف التنمية، كما استفادت ماليزيا من وحدة التخطيط الاقتصادي في ماليزيا في إعداد الخطط التنموية ومتابعة تنفيذها، وفي كوريا الجنوبية لعب مجلس التخطيط الاقتصادي في كوريا الجنوبية دوراً مهماً في قيادة التحول الاقتصادي، والدرس المشترك من هذه التجارب أن النجاح لا يرتبط بالاسم، وإنما بوضوح الرؤية وتوفر المعلومات والقدرة على تحويل الخطط إلى واقع عملي.

لكن خصوصية الحالة السودانية تجعل نجاح اللجنة مرتبطاً بقدرتها على التعامل مع الواقع كما هو، فالمواطن ينتظر أن يرى أثر العمل الاقتصادي في استقرار الأسواق وتحسن الخدمات وعودة الإنتاج وتوفير فرص العمل، كما أن المنتجين وأصحاب الأعمال يحتاجون إلى بيئة تساعدهم على الحركة والاستثمار، ولذلك فإن المرحلة تتطلب تعاوناً واسعاً بين الدولة والقطاع الخاص والخبرات الوطنية، لأن بناء الاقتصاد مسؤولية مشتركة تحتاج إلى تكامل الأدوار وتوحيد الاتجاه.

إن اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد أمام مهمة كبيرة، والرهان الحقيقي ليس على الاسم وإنما على ما ستقدمه من عمل، وعلى قدرتها على تحويل الرؤية إلى برامج، والقرار إلى نتائج ملموسة، وأن تكون إطاراً يجمع الخبرة والمعلومة والإمكانات حول هدف واحد، فالمطلوب اقتصاد منتج يعيد الثقة ويفتح الطريق أمام البناء ويضع السودان على مسار أكثر استقراراً، وإدارة الاقتصاد في هذه المرحلة تمثل مهمة صعبة ولكن الصعب لا يعني المستحيل.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى