وداد الماحي تكتب في دوزنة احاسيس: ” عمر أبودقن “.. إنسانية الرتبة وشفافية القلم

دوزنة أحاسيس
” عمر أبودقن “.. إنسانية الرتبة وشفافية القلم .
بقلم :_وداد الماحي
قد تجبرك مبادئ وقيم أناسٍ على عدم نسيانهم، وعلى الاستمرار في احترامهم والوفاء لهم، وضرب المثل بشخصياتهم الطيبة النبيلة أينما ذُكر النبل والأثر .
ها هو اللواء شرطة (م) الدكتور / عمر محمد عثمان إدريس—المعروف بـ ” عمر أبودقن”—يقف في مقدمة هؤلاء الرجال الذين يتركون في النفس أثراً لا يمحوه الزمن .
حين ترتبط الرتبة العسكرية بالصرامة والجفاف في أذهان الكثيرين، يجيء ” عمر أبودقن” ليقدم نموذجاً استثنائياً للقيادي الذي لم تفصله الرسميات عن وجدان الناس، ولا جففت العسكرية ندى الإنسانية في قلبه. عرفه الشارع السوداني أولاً في مواقع المسؤولية بوزارة الداخلية وشرطة المرور، فلم يكن مجرد مسؤول ينفذ اللوائح والتعليمات، بل كان يرى في القوانين رسالة لحماية الأرواح وتيسير حياة الناس.
ولم يقف عطاؤه عند حدود العمل الإداري والميداني، بل امتد ليكون علامة فارقة في مضمار الإعلام الأمني والتوعية المجتمعية؛ فقد استطاع عبر كتاباته وإسهاماته الإعلامية أن يكسر الفجوة التقليدية بين المواطن والأجهزة الشرطية، محولاً المفاهيم الأمنية إلى رسائل توعوية راقية تسعى لترسيخ الثقافة المرورية والأخلاقية بأسلوب يحترم عقل القارئ والمستمع.
وتتجلى حكمة الدولة ورشد إدارتها في تلك الحقبة من خلال الاستفادة الواعية من خبرات المعاشيين من كبار الضباط والخبراء الذين تقاعدوا عن الخدمة الفعالة؛ حيث لم تكن تجاربهم ومخزونهم المعرفي ليُترك طريح النسيان، بل تستوجب ظروف البلاد الاستثنائية إعادة استثمار تلك القامات الوطنية—وأمثال (د. عمر أبودقن ) في صدارتها—في الاستشارات، والتخطيط الاستراتيجي، ونقل التراكم المعرفي للأجيال الأحدث ، مما يثرى المنظومة الأمنية والإدارية برؤى ناضجة تجمع بين حكمة التجربة وحرص المواطنة.
ولا أنسى موقفا شخصياً يجسد جوهر هذا الرجل؛ حين التقيت به قبل أكثر من ستة عشر عاماً وأنا أسعى لإكمال إجراءات ترخيص سيارة من طراز (هايس) لتكون سنداً ومصدر دخل لأسرتي. يومها لم أجد منه مجرد مسؤول يؤدي واجبه الروتيني، بل وجدت إنساناً يفيض بالإحترام والتقدير، يرعى السعي الشريف ويُجلّ الكسب الحلال. ورغم مرور تلك السنوات الطويلة، إلا أن انطباع تلك اللحظة ظل حياً في الذاكرة، مؤكداً لي أنه الرجل المثالي لكل المواقع والمناصب التي تقلدها.
وما يمنح تجربة الدكتور “أبودقن” فرادتها الخاصة هو ذلك التناغم الفريد في مواهبه؛ فالرجل الذي أمضى عقوداً في أروقة التخطيط والأمن، يحمل في أضلعه قلب شاعر مرهف وقلم كاتب مطبوع. وكأن الانضباط في حياته الشرطية كان يجد إيقاعه المتزن في أوزان قصائده ومقالاته التي لامست هموم المواطن واستقرت في وجدانه، حيث يقول في إحدى نصوصه الشفيفة:
”تتوه بين عينيك أشرعتي
ويرحل في مداك قلبي..
فما أشرقت شمسٌ في أفقي
إلا وكنتِ أنتِ الضياء والسكنى
و غالب نصوصه تتخللها فلسفة القيم المجتمعية العميقة(لم تجد حظها إعلامياً) إن الجمع بين دقة الحس الأمني والتراكم المعرفي وشفافية الحس الشاعري ليس بالأمر السهل، غير أن الدكتور عمر أبودقن أثبت أن العطاء الإنساني وحدة لا تتجزأ؛ فالشاعر فيه يستشعر آلام الناس، والمسؤول فيه يسعى لخدمتهم وترجمة هذا الاستشعار إلى واقع ملموس.
فالتحية والإجلال لكل من تقلد المناصب وكان نموذجاً يُحتذى به في التجرد والإخلاص، والتحية لكل قيادي جعل من المسؤولية نافذة لخدمة الناس وترك الأثر الطيب؛ فقد قدم ( د. عمر محمد عثمان أبودقن ) عبر مسيرته الحافلة درساً بليغاً في أن المناصب والترقيات تزول، ولا يبقى في ذاكرة الشعوب إلا الأثر الطيب، والكلمة الصادقة، والمواقف التي انحازت للإنسان أولاً وأخيراً ..





