رأي

د الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»: السودان.. معركة مجابهة بنادق التمرد وبيادق إشعال الفتنة بين مكونات المجتمع!!

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»:

السودان.. معركة مجابهة بنادق التمرد وبيادق إشعال الفتنة بين مكونات المجتمع!!

في ظل التحديات اليومية التي فرضتها ظروف الواقع الاجتماعي والاقتصادي المعقد الذي خلّفته الحرب اللعينة التي أشعلتها المليشيا المتمردة، وجد المواطن السوداني نفسه أمام أعباء ثقيلة لم يخترها، من النزوح وفقدان الممتلكات ومصادر الدخل، إلى استهداف المنشآت الخدمية والمدنية التي كانت تقدم خدماتها للناس، من المستشفيات والمراكز الصحية إلى المدارس والأسواق ومرافق المياه والكهرباء، ومع ذلك ظل المجتمع محتفظاً بأجمل ما فيه من شهامة وكرم ونخوة وتكافل وحسن جوار، وظلت «الفزعة» حاضرة في البيوت والأحياء والقرى والمدن، يساند الناس بعضهم بعضاً، ويتقاسمون ما لديهم، ويفتحون أبوابهم لمن أغلقت الحرب عليه باب بيته، وفي مقدمة هذا المشهد كان للجيش دوره الواضح في حماية الشعب والدفاع عن الوطن وترتيب الأوضاع واستعادة الاستقرار في المناطق التي امتدت إليها الحرب، والجيش في الأصل ليس جسماً منفصلاً عن المجتمع، فهو أبناء هذا الشعب، من بيوته وقراه ومدنه، وأسرهم تعيش بين الناس، ولذلك فإن ما يقوم به الجيش هو دفاع عن أهله ومجتمعه وبلده، يقابله مجتمع واسع ظل صامداً في وجه آثار الحرب، يساند قواته المسلحة ويحتضن أبناءه ويتحمل تبعات المعركة في حياته اليومية.

ولعل من يستحقون الشهادة في هذه المحنة هم أبناء هذا الشعب بمختلف مواقعهم وأدوارهم، فالجيش الذي وقف في مقدمة المواجهة، والمقاومة الشعبية التي ساندت معركة الدفاع عن الوطن، والمؤسسات التي واصلت أداء واجبها، والعامل الذي بقي في موقعه، والطبيب الذي ظل يعالج، والمعلم الذي تمسك بمدرسته، والأسرة التي فتحت بيتها للنازح، والجيران الذين تقاسموا الطعام والدواء والمأوى، جميعهم صور من صور الصمود السوداني، فالجيش والمواطن والمؤسسات والمجتمع كله من نسيج واحد، والجيش نفسه أبناء هذا الشعب، من بيوته وقراه ومدنه، ولذلك فإن ما يقوم به في الميدان هو دفاع عن أهله ووطنه، وما يقوم به المواطن في بيته وحيه ومجتمعه هو الوجه الآخر لهذه المعركة، وكل منهما يسند الآخر، حتى يبقى السودان واقفاً رغم ما أصابه.

لكن ما يثير القلق أن الحرب لا تتوقف عند البنادق، فهناك من يحاول الوصول إلى المجتمع من أبواب أخرى، بإثارة الجهوية والعصبية والمصلحة الضيقة، ثم دفع هذه المشاعر نحو خطاب الكراهية، فالجهوية في أصلها حب للمكان والاعتزاز بالأهل، وهذا أمر طبيعي وجميل، والعصبية في أصلها صلة ووفاء ونصرة للأهل، والمصلحة الخاصة حق مشروع لكل إنسان، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه المعاني إلى وسيلة لتقديم جهة على الوطن، أو قريب على الحق، أو جماعة على بقية المجتمع، وعندما يصبح الانتماء معياراً للحكم على الناس، ويصبح المختلف موضع شك لمجرد أنه ينتمي إلى منطقة أو قبيلة أخرى، وهنا تتحول المعاني الطبيعية إلى نعرات تضعف المجتمع بدلاً من أن تقويه.

ونحن نواجه عدواً لا يقاتلنا بالسلاح وحده، وإنما يعرف أن المجتمع المتماسك يصعب كسره، ولذلك يمكن أن يستخدم بيادق وأدوات لإشعال الفتنة بين الناس، فيثير هذه الجهة على تلك، وهذه المجموعة على الأخرى، ويضخم الخلافات الصغيرة، ويدفع بالكلمة إلى مكان لا ينبغي أن تصل إليه، وهذه أمور نراها كل يوم، من كلام يفرق الناس، إلى مواقف تفتح أبواب الخصومة، إلى محاولات لتهيئة المسرح حتى تصل مكونات المجتمع إلى مرحلة ينظر فيها بعضها إلى بعض بعين الشك والعداء، ولذلك فإن الحذر ثم الحذر مطلوب، لأن العدو لا يحتاج دائماً إلى أن يطلق رصاصة إذا استطاع أن يجعل الناس ينشغلون ببعضهم، و«فرّق تسد» قاعدة قديمة، وأفضل ما نواجه بها أن نحافظ على علاقاتنا، وأن نرفض أن تتحول الجهوية والعصبية والمصلحة الضيقة إلى أدوات لضرب وحدة السودان.

والحقيقة أن المجتمع السوداني في حياته اليومية يكذب كل هذه النعرات، فالقرية السودانية كثيراً ما جمعت أكثر من قبيلة، والمدينة جمعت أبناء مناطق مختلفة، والمصاهرات ربطت الأسر ببعضها، والعمل والسوق والمدرسة والمسجد والحي جعلت الناس يعيشون معاً ويتعاونون، ولذلك فمن الصعب أن يأتي من يريد تقسيم هذا المجتمع إلى جزر متخاصمة، لأن الناس يعرفون بعضهم بعضاً من خلال المعاملة والمواقف، لا من خلال الأسماء والانتماءات وحدها، والسوداني الذي فتح بيته للنازح لم يسأل أولاً عن قبيلته، والذي وقف مع جاره في محنته لم يسأله من أي جهة جاء، والذي تقاسم معه الطعام والدواء لم يكن يبحث عن بطاقة تعريف قبل أن يمد يده، وهذه هي الثقافة التي ينبغي أن نحافظ عليها، لأنها أقدم وأصدق من كل خطاب يحاول أن يفرق بين الناس.

ومواجهة هذه الآفات لا تعني أن يتخلى السوداني عن منطقته أو قبيلته أو أسرته، ولا تعني أن نتجاهل مصالح الناس، وإنما تعني أن نضع كل ذلك في مكانه الصحيح، فالقرية عزيزة، والقبيلة عزيزة، والأسرة عزيزة، ولكن السودان أكبر، والمصلحة الخاصة مهمة، ولكن المصلحة العامة أوسع، والانتماء جميل، ولكن لا ينبغي أن يتحول إلى ظلم للآخرين، وعندما تكون المؤسسات قوية والقواعد واضحة والحقوق محفوظة، تقل الحاجة إلى الاحتماء بالجهة والعصبية، ويعرف الناس أن حقهم لا يحتاج إلى واسطة من منطقة أو قبيلة، وهنا تتحول قيم الفزعة والنفرة والكرم والشهامة من مواقف اجتماعية جميلة إلى قوة حقيقية في بناء المجتمع، لأن الذي يقف مع جاره وقت المحنة يستطيع أن يقف معه أيضاً في بناء المدرسة والمستشفى والطريق ومشروع الإنتاج.

وفي النهاية، إذا كانت هناك شهادة ينبغي أن تُكتب لهذه المرحلة، فهي شهادة لمجتمع سوداني ظل واقفاً رغم قسوة الحرب، ولجيش من أبنائه وقف في مقدمة الدفاع عن وطنه وأهله، ولمؤسسات وأفراد ومبادرات شعبية لم تسمح للظروف بأن تطفئ كل شيء، وهذه الصورة هي التي ينبغي أن نتمسك بها ونحن نواجه البنادق والبيادق معاً، فالبندقية تواجه في الميدان، أما الفتنة فتواجه بالمحافظة على الناس وعلاقاتهم، ورفض خطاب الكراهية، وعدم السماح للجهوية والعصبية والمصلحة الضيقة بأن تسرق من السودان أجمل ما فيه، فالوحدة ليست شعاراً يقال، وإنما هي أن يبقى أهل السودان أهلاً لبعضهم، وأن تبقى الفزعة أقوى من النعرة، والجيرة أقوى من الخصومة، والمواطنة أوسع من كل انتماء، فالسودان الذي حمل أهله بعضهم بعضاً في زمن الحرب قادر، بإذن الله، أن يحملهم جميعاً إلى زمن السلام والبناء.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى