رأي

ياسر الفادني يكتب في من اعلى المنصة: نحن بلدنا بي خيراتا ….البلد البتشبها ياتا؟

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

نحن بلدنا بي خيراتا ….البلد البتشبها ياتا؟

حين كتب شاعرنا شمس الدين حسن خليفة: (نحن بلدنا بي خيراتا… البلد البتشبها ياتا؟) لم يكن ينسج بيتًا من شعر فحسب، بل كان في لحظة صدق كاملة مع الله، وفي ساعة عشق عارمة مع الوطن، وفي نبضٍ سامٍ يصف شعبًا يعرفه جيدًا، شعبًا إن ضاق عليه الطريق فتحه، وإن انكسرت أمامه الأيام أعاد تركيبها بيديه، ثم وقف شامخًا كأن شيئًا لم يحدث.
هذا هو شعب السودان… شعبٌ جُرِّب في النار فخرج أصلب

جاءت هذه الحرب بقسوتها، ومراراتها، ووجوهها الكالحة، فجاء معها الأوباش وهم يظنون أن المدن تُكسر كما تُكسر الأبواب، وأن القرى تُذل كما تُذل الغنائم ، دخلوا القرى واستباحوا المدن، وادخلوا أوحالهم في تفاصيل حياة الناس، لكنهم لم يفهموا حقيقة واحدة: أن هذا الشعب لا يُهزم في أخلاقه حتى لو حاصرته البنادق

مرَّت أيام سوداء على البلاد، أيامٌ كأنها كُتبت بالحبر الثقيل في دفتر التاريخ، في أرضٍ كانت تُعرف بسلة غذاء العالم، ذاق الناس طعم الضيق، وحُرم بعضهم من اللقمة الكريمة، حتى صار أهل الخير في الجزيرة تلك الأرض التي تُنبت البركة يصنعون الموليتة وجبة يسدون بها رمق يومهم ، كان ذلك مشهدًا موجعًا، ليس لأن الأرض شحّت، بل لأن من حلّوا عليها كانوا أفشل من أن يديروا حياة، وأقسى من أن يتركوا الناس يعيشون

لكن هذه البلاد لها سرٌّ عجيب… ما إن يزول الظلم حتى تتنفس الأرض من جديد، وما إن يرحل الطغيان حتى تعود السنابل لترفع رؤوسها، بعد أن طُردوا، استعادت المناطق عافيتها بسرعة مدهشة، كأن الأرض كانت تنتظر فقط أن تُرفع عنها القدم الثقيلة ، عاد الناس إلى الحقول، وأخرجوا الخير من باطن الأرض بعزيمة لا تلين، كأنهم يقولون للأرض: نحن وأنتِ بيننا عهد قديم… إن ضاقت الأيام لا نخذلك !

وفي رمضان هذا العام، كان المشهد أبلغ من كل خطاب، أكاد أجزم أن سلال الخير دخلت كل بيت؛ من قريبٍ، أو جارٍ، أو يدٍ بيضاء لا تُعرِّف نفسها، لمعَت الفُروش على الطرقات من جديد، وخرجت الصواني محمّلة بالعصائر واللقمة الطيبة، تُقدَّم لعابرٍ قد يكون جائعًا، فتكون عند الله كأنها جبل أُحد ، عادت دقات السحور، وعادت الإفطارات الجماعية، وعاد التنافس الجميل: من يسبق إلى الخير؟ من يفتح قلبه أكثر للناس؟ يا له من شعب!! … كم أنت رائع يا شعبي

في المقابل، حيثما وُجد الجنجويد، وُجد الجوع الذي يمشي جنب الخوف، ووجدت المسغبة التي تُدمع لها العيون، هناك يأكل القوي الضعيف، ويخون الرفيق رفيقه، ويُنهب القريب قبل الغريب، عالمٌ مضطرب يأكل بعضه بعضًا، حتى كأن المثل السوداني القديم يُبعث حيًّا بينهم: (البعشوم كان داير ياكل عيالو بقول ليهم شامي فيكم ريحة عتود)… هكذا يبرر الوحش جريمته قبل أن يفتك بأقرب الناس إليه

لكن السودان ليس هناك… السودان هنا، في القلوب التي ما زالت تفتح بيوتها للغريب، وفي الأيدي التي تعطي وهي محتاجة، وفي شعبٍ مرّ بأحلك الظروف لكنه خرج منها أصلب وأصفى

إنني من منصتي أنظر… حيث أرى، ولا فخر في قول الحقيقة، أن هذه البلاد من أعظم بلاد الله في الأرض، أرضٌ تتفجر بالخيرات، وشعبٌ تتفجر فيه القيم السمحة والأخلاق النبيلة ، شعبٌ قد يتعب، لكنه لا ينكسر؛ قد يجوع، لكنه لا يفقد مروءته؛ وقد تحاصره المآسي، لكنه يظل قادرًا على إشعال الضوء في آخر النفق
ولهذا أقولها بملء الفم، وأرددها قوية أمام العالم كله:
نحن بلدنا بي خيراتا… البلد البتشبها ياتا؟

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى