أحمد حسين يكتب في نافذة أمان: عفوا الفريق الفاتح عروة لم اكن اعرفك “أرقد” بسلام في الخالدين

أحمد حسين يكتب في نافذة أمان: عفوا الفريق الفاتح عروة لم اكن اعرفك “أرقد” بسلام في الخالدين
لم اكن أعرف عن الفقيد الراحل الفريق الفاتح عروة الا “فتات الثقافة السماعية” التي ألتقطها من هنا وهناك وهو يدير شركة زين السودان؛ وحتى اللحظة لم اعرف هل كان التقصير مني بأنني لم اتعرف على الفريق “عن كثب” أم ان الفريق نفسه كان لا يحب الاضواء والظهور على شاشات التلفزة؟
فكان ملخص معرفتي بالرجل ابان ادارته لشركة زين السودان في وقت كانت فيه البلاد تتوثب خطاها لارتياد العالمية في مجال تقنية الاتصالات الحديثة؛ وكنت حينها وفي خضم عملي المضني في الصحافة و” الانكباب” على تفاصيل الصحيفة اليومية وكيف ان “ادارة التحرير” فيها تتطلب وقتا اطول في الغوص في العمل الذي يمكن “آنذاك” ان يفوت عليك فرص التعرف على العظماء ودراسة سيرتهم واكون ضمن “الركبان” التي تنثر وتنشر وتبشر باسماء كبيرة مثل الفريق الفاتح عروة.
على كل حال استمرت مسيرتي في عملي الصحافي وانا بين الفينة والاخرى أقرأ واسمع عن عروة لما كان يقدمه من خدمة تتعدى تلك التي تتعلق “بالفيبر قلاس” والتطور التقني والاتصالات الحديثة الى المجتمع السوداني العريض بأطيافه المختلفة.
عندما اختارته القيادة ان يكون قائد الركب في ” زين” افتكرت “وقتها” ان الاخيرة كانت ” اضافة” في سيرة ومسيرة الفاتح؛ لأن الذي ينعم عليه الله سبحانه وتعالى بان يكون في هذا المنصب لا شك انه من الفائزين والمحظوظين.
لكن تغيرت عندي المفاهيم تلك بعد ان رقد الرجل “تحت الارض” وهو يودع حياة فانية لطالما افنى فيها كل لحظة من حياته ليكون السودان وطنا وعلما بين الأمم.
هذه التغيرات والمتغيرات التي طرأت علي وقت أن حضرت التأبين الكبير والفخيم غير المسبوق في وطني السودان والذي نظمته شركة زين السودان بالفندق الفخيم “السلام روتانا” وذلك حين أكمل الفاتح عروة عامه الاول من الغياب “الحاضر” ومن دفتر حضور موظفي الشركة اليومي.
وأجمل ما في التابين ذلك المشروع الوثائقي “رحيل الساموراي ” الذي حكي عن حركات وسكنات عروة منذ صرخة الميلاد وحتى آهات آلامه وهو يودع الحياة الدنيا بالولايات المتحدة الامريكية التي قبر بها لتعثر العودة بالجثمان ليحتضنه تراب الوطن بسبب الحرب وتداعياتها.
تغيرت مفاهيمي عن الفريق طيار عروة وأنا أتابع بنهم الصحفي المتلهف للمعلومة عن العظماء كيف انه تقلب في عمله من ظابط عظيم في القوات المسلحة السودانية بكل كفاءة واقتدار حتى وصل رتبة الفريق؛ وكيف أنه استطاع عن جدارة ان يطوع الروح “العسكرية فيه” التي لا تأبي غير النصر في الميادين لتصبح روحا أخرى تختار لغة المنطق بدلا عن “منطق القوة” حينما نال شرف ان يكون سفيرا للسودان في دول عديدة ومبعوثا للسودان في الامم المتحدة.
ليختم حياته وهو في “معركة كرامة” اخرى يدافع بالعلم والقلم بان يكون السودان في اعلى قمم عالم التصال والثورة الرقمية؛ فحينها فقط ادركت ان بان “زين” لم تكن اضافة له بقدر ما كان هو اضافة لها؛ لأن الشركة قد ظفرت وقتها برجل ذو خبرات متعددة؛ وهو في أعلى سدة “زين” كان يزاوج بين ان يقوم بواجبه تجاه الشركة على أكمل وجة؛ وبين ان يكون عروة الرجل الوطني الذي يريد ان يكون “السودان اولا” .
نبرات الاستاذة الاعلامية لمياء متوكل كانت بمثابة الترياق الذي جعل الحاضرين يمكثوا وقتا طويلا دون أن يشعروا بالملل وهم يقرأون سيرة رجل طالما وضع بصماته في كل منصب تنسمه؛ وكل مجتمع كان هو جزءا منه يصنع النجاح ويقود فيه السودان الى ذرا التطور وقمم المعرفة.
فكانت كل جملة من الزميلة من لمياء تخرج بعناية فائقة لتدخل القلوب مباشرة وتستقر في “السويداء” لتعمق عند المتلقي حبا جارفا وشعور بالقبطة بان من نحكي عنه سوداني كامل الدسم يجب ان تدرس حياته للاجيال القادمة لتعرف معنى الوطنية والاجتهاد في العمل ليصبح الفاتح “ساموراي” السودان بلا مناذع.
لا غرو ان يجتمع الناس على حب واحترام عروة وحتى منافسيه في الفضاء الرحب من شركات الاتصالات الاخرى حينما تحدث رئيس شركة “ام تي ان” حينما تسلم عمله في السودان عن الفاتح وكيف انه استقبله بأريحية نادرة بعيدا عن التنافسية البغيضة التي لا تراعي الا ولا ذمة غير جني الاموال والارباح فقط.
وحب الأجانب للفاتح ظهر جليا في حكاياتهم عنه وكيف انهم كانوا يستشيرونه حتى في حياتهم الخاصة باعتباره اخ أكبر وصاحب حكمة ودربة في الحياة.
انتهت فقرات البرنامج “بالسلام روتانا” وهي تبشر بتوثيق حوى مقتطفات قليلة من حياة الرجل لان مثل عروة لايمكن ان تضم سيرته كتاب ولا فيلم وان تعدت صفحاته ومدة مشاهدته الآلاف من الصفحات والساعات.
الحضور كان يمني نفسه بساعات اضافية ينهل فيها من تجربة عروة الحياتية والمعرفية الا ان شارات ضبط الوقت تأبى الا ان يتفرق الجميع ومن ضمنهم اسرة الفريق ومعارفه وأحباءه وعارفي فضله؛ وفي مشاهد تنم عن الحب الكبير للفاتح ذرفت الدموع من الذين وثقوا لعروة بعضا مما اعتمل بصدورهم ابان مجايلته ومعاصرته ومزاملته في مسيرته العملية الحافلة بالمحطات الكثيرة.
وشركة زين وهي تنظم هذا التأبين تقابل العطاء بالوفاء ولسان حالها يقول: إن الفريق الفاتح عروة لم يكن رجلا قادها في السودان وانصرف هكذا؛ بل رسخ مفاهيم للعمل العام وأطر في براحات التعاطي مع الآخرين قل ان توجد في زماننا هذا؛ وهي بذلك تؤكد انها فعلا ” عالم جميل”.
وخرجت من القاعة وانا اتمتم بهذه الكلمات “عفوا الفريق الفاتح عروة لم اكن أعرفك أرقد بسلام في الخالدين” .





