رأي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب: عبق النيل الأبيض يصنع العبقرية والإبداع.. الكوة والقطينة توقيعٌ على دفتر الحضور العالمي!!

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب:

عبق النيل الأبيض يصنع العبقرية والإبداع.. الكوة والقطينة توقيعٌ على دفتر الحضور العالمي!!

تمثل الكتابة عن النيل الأبيض هوىً خاصاً، هوىً ممتداً بالتاريخ والجغرافيا، وبالناس والأحداث، وبالمحبة التي نكنها لهذه الأرض الطيبة وأهلها. ولعل من أعظم نعم الله على السودان أن حضارته لم تُبنَ بالحجارة وحدها، وإنما بُنيت بالإنسان؛ فكانت الأنهار مدارس، وكانت المدن معابر للعلم، وكانت القرى مصانع للعبقرية. لذلك تكتسب الكتابة عن النيل الأبيض طابعاً مختلفاً؛ إذ تمتزج فيها رائحة الطين بعد المطر، وصفاء الماء، وعبق الإنسان السوداني الذي ظل يصنع الجمال والعلم والحضارة. وحين نكتب عن النيل الأبيض فإننا نكتب بروح الأريحية، وجمال المفردة، وجلال العبارة.

واليوم نكتب عن الكوة التي نشأنا وترعرعنا فيها، وعن القطينة التي تربطنا بها وشائج المحبة والإخاء، ونكتب عن كل مدن النيل الأبيض الجميلة التي نحبها وتحبنا، لأنها ليست مجرد بقاع على خارطة الوطن، وإنما هي صفحات مضيئة في سجل الحضارة السودانية.

وعلى ضفاف النيل الأبيض، حيث يمضي الماء هادئاً كأنه يروي للتاريخ حكاياته القديمة، تنتصب الكوة بين الجميزات العتيقة والنخيل السامق، وتتعالى قبابها وأضرحتها شاهدة على تاريخ طويل من العلم والتصوف والصلاح. ويبدو النهر هناك وكأنه ينحني إجلالاً لهذه المدينة التي أنجبت العلماء والشعراء والمفكرين، بينما تغيب الشمس خلف الضفة الأخرى فتكسو صفحة الماء ذهباً خافتاً، فتغدو الكوة لوحةً رسمها الزمن بريشته.

أما القطينة، فهي شقيقة الكوة على ضفاف النيل الأبيض، مدينة يحتضنها النهر كما تحتضن الأم أبناءها، وتكسوها الحقول الخضراء، وتتعانق فيها الرمال الذهبية مع الماء الجاري، فتمنح الزائر شعوراً بالسكينة والانتماء.

ومن هذه البيئة الباهر ، خرج البروفيسور عبيد محجوب طه، أحد أبرز علماء الفيزياء السودانيين، الذي بدأ رحلته العلمية من مدارس القطينة، قبل أن يشق طريقه إلى الجامعات العالمية، متخصصاً في فيزياء الجسيمات والطاقة النووية، حتى أصبح من الأسماء المرموقة في هذا المجال الدقيق.

ولم يكتف البروفيسور عبيد محجوب طه بالبحث العلمي، بل حمل همَّ نشر المعرفة باللغة العربية، إيماناً منه بأن العلوم الحديثة ينبغي أن تكون في متناول الطالب العربي كما هي في متناول غيره. فألّف عدداً من الكتب العلمية الرصينة في الفيزياء الحديثة، وأسهم في تدريس الفيزياء في الجامعات، وشارك في مؤتمرات وهيئات علمية دولية، وظل يحمل اسم السودان بكل فخر، مؤكداً أن العلم لا يعرف حدوداً، وأن أبناء السودان قادرون على بلوغ أعلى مراتب المعرفة متى ما توفرت لهم الفرصة.

ومن الكوة أشرق نجمٌ آخر، لكنه اتجه إلى عالم الإنسان لا إلى عالم الذرة، هو البروفيسور التجاني محمد الماحي، رائد الطب النفسي السوداني وأحد أبرز أعلامه. فقد أسهم في تأسيس التعليم الأكاديمي للطب النفسي بجامعة الخرطوم، وكان من أوائل من دعوا إلى فهم الإنسان في سياقه الثقافي والاجتماعي، مؤمناً بأن العلاج لا يقتصر على الدواء، بل يمتد إلى الأسرة والبيئة والموروث الثقافي، وهي رؤية سبقت كثيراً من الاتجاهات الحديثة في الطب النفسي.

وقد لقيت تجربة البروفيسور التجاني محمد الماحي اهتماماً واسعاً في الأوساط العلمية، وأصبحت مثالاً مهماً في الدراسات التي تربط بين الطب النفسي والثقافة المحلية. ولم يقتصر عطاؤه على المجال الطبي، بل امتد إلى خدمة الوطن في مواقع المسؤولية العامة، فكان نموذجاً للعالم الذي يجمع بين التفوق الأكاديمي والواجب الوطني.

واليوم، ونحن نتحدث عن تحديات التعليم وهجرة العقول، فإننا أحوج ما نكون إلى استلهام هذه التجارب المضيئة. فالعبقرية لا تُولد من وفرة الإمكانات وحدها، وإنما تنمو في بيئة تحترم العلم، وتكرم المعلم، وتؤمن بأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان.

وما بين الكوة والقطينة، وعلى ضفاف النيل الأبيض، تتجلى حقيقةٌ راسخة، وهي أن المدن الصغيرة قد تنجب رجالاً كباراً، وأن المكان إذا احتضن العلم، وأنصف المعلم، وآمن بقيمة المعرفة، استطاع أن يكتب اسمه في سجل الحضارة الإنسانية. والكوة والقطينة ليستا إلا مثالين من عشرات المدن السودانية التي أنجبت العلماء والمفكرين والمبدعين، فلكل بقعة في السودان قصة نجاح تستحق أن تُروى، ولكل مدينة بصمتها في بناء هذا الوطن.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى