لواء (م) يونس محمود محمد يكتب: من يُعزّي مَن يا عمر الحاج ؟

بسم الله الرحمن الرحيم
٦ أبريل ٢٠٢٦م
*من* *يُعزّي* *مَن* *يا* *عمر* *الحاج* ؟ *
يونس محمود محمد
في يومٍ مثقلٍ بالحزن، رحل أخونا العزيز، ودفعتنا المتين، العقيد (م) عمر الحاج، مترجّلًا عن صهوة هذه الدنيا الفانية، تاركًا خلفه سحابةً كثيفةً من الأسى، ووحشةً تتسلل إلى أعماق النفس، ومرارةَ فقدٍ غائرةِ الأثر، تعيد فتح جراح الذاكرة، وتستدعي مواكب الراحلين من الأهل والعشيرة والأحبة.
كأن الحزن في هذا الوطن المبتلى لم يعد حادثًا عابرًا، بل صار مناخًا دائمًا، يتمدّد في تفاصيل الحياة، ويستقر في وجدان الناس، فما إن يفيقوا من عزاءٍ حتى يداهمهم عزاء، ولا يكاد الدمع يجف حتى يستأنف انهماره على وقع خبرٍ جديد.
أما عمر الحاج، فلم يكن مجرد اسمٍ يُنادى، بل كان معنىً يُعاش؛ رباطُ رفقةٍ شدّه صدقُ الجندية، وزمالةٌ صاغتها ميادين الشرف، ووحدةُ شعورٍ تنبض في القلوب حين تضيق البلاد بأهلها.
سرنا معًا، منذ فجر الكلية الحربية، حيث كانت البدايات تتشكل، والملامح تتخلق، والأحلام تتوهج، ثم عبرنا دروب الخدمة الطويلة، بين وحدات الجيش، ومعاهد التدريب، ومفازات الحياة، حتى بلغنا محطة الترجّل، حيث تبدو المدنية امتدادًا خافتًا لذاكرةٍ عسكريةٍ لا تنطفئ، وتبقى الرفقة ملاذًا، والهمّ الوطني قاسمًا مشتركًا لا يغيب.
وكان – رحمه الله – حاضر الذهن، نافذ البصيرة، بحدسٍ أمنيٍّ لا يخبو، وعينٍ استخباراتيةٍ تلتقط ما وراء المشهد، وكأن الوطن يسكنه كما يسكن الروح الجسد.
لم تكن القضية الوطنية عنده موضوعًا للحديث فحسب، بل كانت قدرًا يعيشه، وهاجسًا يقضّ مضجعه، وعشقًا قديمًا يتجدّد مع كل منعطف.
كان يتحدث، فيعلو صوته حينًا، وتنكسر نبرته حينًا، وتتبعثر في ثنايا كلماته حسرةُ رجلٍ يرى وطنًا بقامة السودان يتداعى، وشعبًا بملامح الجمال الإنساني يئن تحت وطأة الشقاء… وكان ذلك كله ينساب في حديثه، بدءًا وختامًا.
وكان آخر عهده بالبيت الحرام، حيث اعتكف في رحاب مكة المكرمة، من رمضان ٢٠٢٥م حتى عيد الأضحى، مستأنسًا بالقرب، مزهوًا بالمقام، كأن روحه وجدت هناك بعض سكينتها.
ثم عاد إلى الدوحة، حيث يقيم أبناؤه، غير أن الحنين – ذلك الساكن العتيق – غلبه، فشدّ الرحال إلى السودان، إلى ود مدني تحديدًا؛ تلك المدينة التي لا تُحب فحسب، بل تُعاش عشقًا.
عاد ليعيد الحياة إلى بيتٍ أرهقته يد الخراب، فكان بيته – كما عهدناه – مأوى للعابرين، ومنزلًا لا يُغلق بابه، وملاذًا لمن ضاقت بهم الطرق، كأنه يصرّ، في وجه الخراب، أن للحياة بقية.
ثم شاء الله أن يختاره بالابتلاء، فمرض، فصبر، فاحتسب، حتى أتاه اليقين، في سكينة العارفين، ورضا الموقنين.
وما إن شاع خبر رحيله، حتى عمّ الحزن، وتتابعت الدعوات، من الدفعة (٢٩)، ومن الأهل والإخوان، أن يتغمده الله برحمته، وأن يجعل ما أصابه طُهرًا له من كل ذنب، وأن يلقاه نقيًا كما ولدته أمه، وأن يخلفه خيرًا في أهله وأبنائه وبنته الوحيدة.
وإن العين لتدمع،
وإن القلب ليحزن،
وإنا عليك لمحزونون يا عمر، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
فمن يُعزّي فيك يا عمر؟
أَنُعزّي أنفسنا أم نعزّي الوطن؟
أم أن الحزن، وقد اتسع حتى غمر الجميع، صار يعزّي بعضه بعضًا؟
سلامٌ عليك في الخالدين،
يوم كنت بيننا،
ويوم رحلت عنا،
ويوم تُبعث حيًّا.
إنا لله وإنا إليه راجعون






