وداد الماحي تكتب في دوزنة أحاسيس: ”قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل…”

دوزنة أحاسيس
بقلم: وداد الماحي
”قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل…”
لم يكن امرؤ القيس حاضراً في “بركات” حين شيد الإنجليز عاصمة مشروع الجزيرة، لكن روح بيته الشهير باتت تسكن الأطلال اليوم، بعد أن تحولت تلك الإمبراطورية التنموية الباذخة إلى ديار يبكيها باعثوها، ويترحم عليها مزارعوها المطرودون خلف مسافات الحسرة.
هذا النص المؤثر والموجع الذي نقله “بروف الفادني” وسكبه بمرارة المزارع (عبد الرحمن عبد القادر)، استوقفني طويلاً؛ فهو ليس مجرد خاطرة عابرة، بل هو مرثية موثقة لأكبر صرح اقتصادي وتنموي في تاريخ السودان الحديث: مشروع الجزيرة. وقفتُ قارئةً ومتأملةً بين سطوره، أتحسس حجم الفقد الذي أصاب وجداننا الوطني قبل اقتصادنا.
كيف لمكان كان يحمل نفحة من الريف الإنجليزي البارد، بقرميده الأحمر وفرنداته المهيبة وأشجار اللبخ المصفوفة بهندسة صارمة، أن يتحول إلى هذا الصمت الجنائزي؟ إنها “سرايات بركات” التي صُممت بواسطة مهندسين إنجليز على طراز بيوت الريف البريطاني، بملاعب غولفها ونوادي التنس وصالات السينما التي تساءل الكاتب بحسرة عن “بصها” الذي كان يجوب القرى لنشر الوعي.
كيف لـ “بركات” التي عرفت أقسام الهاتف والبريد قبل أن تعرفها العاصمة الخرطوم، أن تصير أسلاك هاتفها العتيق حبالاً لنشر الغسيل، وسراياتها المرصعة بالتاريخ مراحاً للماشية وزرائب للأبقار؟
إنها ليست مجرد خسارة لأرض زراعية، بل هي مرثية لـ “سلوك حضاري” وعقيدة إدارية انفرط عقدها. حنين موجع لزمن كان فيه المفتش الزراعي العبقري “طه الجاك” لا يصلي الصبح إلا في قلب الحقول، يحفظ التفاتيش بالبوصة، ويقود معركة الإنتاج بانضباط صارم.
زمن كان يدعمه دماغ مفكر تمثل في “محطة بحوث الأبحاث الزراعية بمدني” (تأسست عام 1918)، أقدم وأعرق مركز بحوث زراعية في إفريقيا والشرق الأوسط، حيث كان المفتش لا يجرؤ على توزيع بذرة دون شهادة تعميد علمية صريحة منها.
زمن كان فيه رجال من طراز مأمون بحيري ومكاوي سليمان يسكبون عرقهم لتكون يد السودان هي العليا.. حتى إن أرباح بالات القطن طويل التيلة مدت يد العون يوماً لمدينة “هامبورغ” الألمانية حين دمرتها الفيضانات في ستينيات القرن الماضي! بل وتعدى الكرم السوداني ذلك لتقديم الدعم لبريطانيا نفسها في فترة التقشف بعد الحرب العالمية الثانية، ولدول عربية شقيقة في أوقات أزماتها.
هذا العصر الذهبي كان يغذيه نظام مالي عبقري عُرف بـ “حساب المشترك”، والذي زاوج بين رأسمالية الإنتاج والعدالة الاجتماعية، لتُستقطع منه مبالغ ثابتة لـ “صندوق رفاهية المزارعين”، فتنعم قرى الجزيرة بمستشفيات مجانية، ومدارس نموذجية، وشبكات مياه نقية في وقت كانت فيه بقية أقاليم إفريقيا تعيش في ظلمات الجهل والمرض.
أي انكسار هذا الذي يجعل بلداً كان مزاراً للملكة إليزابيث وعبد الناصر وتيتو، يقف اليوم على أعتاب الحاجة؟ مطاحن “قوز كبرو” في مدني التي شيدتها أسود الصناعة الوطنية لتكون عمقاً صناعياً هادراً، بيعت وتلاشت لصالح شركات وناشذين جدد.
وسكة حديد الجزيرة، أطول شبكة حديد ضيقة في إفريقيا، والتي كانت تربط كل تفاتيش المشروع بمحالج “مارنجان” و”الحصاحيصا” العملاقة، جُردت حتى من قضبانها الحديدية لتباع خردة وصهراً!
والأدهى من ذلك أن تُبتر الشرايين المائية المعجزة، كتلك اللوحة الهندسية لـ “ترعة 114” وغيرها من المجاري المائية التي كانت تغذي الحقول بالري الانسيابي دون طلمبة ماء واحدة، بإلقاء عبء تطهيرها من الطمي على عاتق مزارع أعزل بموجب السياسات التي جاءت كشبه رصاصة رحمة قضت على الروح المركزية للمشروع ودورته الزراعية الصارمة.
ولم يكن تجريف “بركات” والجزيرة قاصراً على تصفية الهياكل وبيع المحالج، بل كان تجريفاً لـ “مجتمع كامل” أذابت فيه الجزيرة كل الفوارق القبلية والجهوية. ففي مواسم الحصاد (“اللقاط”)، كانت محالج “مارنجان” و”الحصاحيصا” تتحول إلى خلايا نحل بشرية تستوعب المئات من أبناء السودان القادمين من مختلف الأقاليم، لتصنع نسيجاً اجتماعياً فريداً تآلفت فيه القلوب على صوت المؤذن وهدير الماكينات.
لقد تحول المزارع بفعل هذا النظام من مجرد “فلاح” يعيش على الكفاف، إلى شريك أصيل يتمتع بالوعي ويقود الإنتاج، ويمول من عرق جبينه تعليم أبنائه وبناته في أرقى الجامعات، لتخرج من تلك البيوت الطينية قامات ملأت الدنيا علماً وأدباً وصحافة.
نقرأ الفاتحة اليوم لا على المباني والمشاريع فحسب، بل على طبقة وسطى عفيفة منتجة صنعت رمزية الإنسان السوداني المعجون بالكبرياء. لكن الأمل – رغم غصة الحلق – لا يموت في قلوب المزارعين الصابرين.
ومع كل مطر يغسل وجوه الأطلال، ندوزن أحاسيسنا على نبض العودة.. العودة إلى “الجزيرة الغناء”، إلى سنابل القمح المنور، وإلى زمن نمحو فيه ملامح الرحيل، لنقول للخراب: “لا.. لن نحيد”.





