رأي

ناس قريعتي راحت… ان من لا يملك سردية كبرى فإنه سيسكن في الهامش ههه محمد المجذوب يكتب

ناس قريعتي راحت
ان من لا يملك سردية كبرى فإنه سيسكن في الهامش ههه
محمد المجذوب
لم يعد عالم السياسة اليوم هو عالم اليوميات الصغيرة، ولا مسرحا لفقيري الفكرة والهمة ولا لمرتادي سفاسف الأمور. ، فلقد دخل العالم بالفعل في عصر السرديات الكبرى والأيديولوجيات العظمى، حيث ان كل الأمم المحترمة التي تملك حلما واضحا هي وحدها من تصنع التاريخ. أما _ اما ناس قريعتي راحت _ فانهم من يكتفيون بردات الفعل السياسية فيعيشون بلا رواية ولا سردية كبرى ومصيرهم أن يُحجزوا لأنفسهم سفحا بين سفوح المهزومين، ليكونوا مجرد هامش في كتاب تاريخ الآخرين، فقد انتهي زمان التفاهة .

ففي موسكو، تتبلور سردية روسيا الثالثة، ويبني مشروع تاريخي يستنجد بإرث القيصرية الأرثوذكسية، ويمزجه بامجاد الاتحاد السوفيتي العظيم، مستلهماً فلسفات ألكسندر دوغين حول الأوراسية؛ وحتمية صراع الحضارات. اما ساكن الكرملين فانه لا يخوض حروب الحدود، بقدر ما يخوض معركة السردية والرواية الكبرى ليقدم رسالة روسيا للعالم، باعتبار ان قدر روسيا هو في أن تكون إمبراطورية عالمية، وان العالم أحادي القطب الأمريكي قد انتهى بلا رجعة لتظهر وان هذه السردية هي التي تقود الحرب، وهي ما يجعل المواطن الروسي يتحمل العقبات والعقوبات.

اما في بكين، فانه يتم استدعاء سردية النهضة الصينية العظيمة، المقرر اكتمالها عام 2049. فالصين لا تسعى فقط للحاق بالغرب اقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا ، وانما تسعى لوراثة وقيادة الحضارة الإنسانية بالكامل، وراثة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى علوم الفضاء والسلاح، إلى بناء نظام اقتصادي عالمي موازٍ للنظام الرأسمالي الغربي، فهناك في بكين فإن الحزب الشيوعي يقدم نفسه كامتداد طبيعي لخمسة آلاف عام من الحضارة الصينية الضاربةفي القدم، وليس مجرد حزب سياسي مركزي حاكم لدولة عظمي ؛ فالسردية هنا هي المركزية الحضاربة الصينية التي يجب ان تعود.

أما في العاصمة طهران عاصمة التاريخ، فانه تتقاطع سرديات القومية الفارسية العريقة مع العقيدة الشيعية الثورية، كسردية تدافع عن البرنامج النووي الايراني بوصفه قوة الردع والحق الحضاري في امتلاك أدوات العصر وكسر احتكار الغرب للمعرفة العلمية ، فإيران ترى نفسها دولة الحضارة والمذهب وولاية الفقيه الشيعية، وليست دولة القطر الإيراني الحديث ؛ ولذلك فمشروعها السياسي بخلفيته الحضاربة يتمدد من طهران الى بغداد ومن بغداد إلى بيروت، ومن صنعاء إلى دمشق، ومن دمشق افى غرب افريقيا ؛ كونها السردية الحضارية التي هي أقوى من الجغرافيا.

وفي اسنابول عاصمة الخلافة الإسلامية؛ فإنه تتم لملمة الأطراف وتصفير المشكلات بين الاتراك والاكراد والعرب والايرانيين، لصالح تركيا النهضة، صاحبة حلم استرجاع سردية الخلافة الإسلامية وبناء الاقتصاد والتكنولوجيا والطيران بدون طيار، وبناء التحالفات السياسية والعسكرية التي تبدا باسلام اباد ولا تنتهي بطرابلس الغرب، مرورا بالقاهرة والرياض ومقديشو وربما الخرطوم.

في المقابل، تقوم أمريكا بمحاولات أخيرة مستميتة للإبقاء على سردية الليبرالية والرأسمالية، وللحفاظ على قيادتها للعالم التي باتت محل نزاع كبير، إلا ان المشكلة أن نور الحداثة قد خفت واصبحت كسراب يحسبه الظمان ماءا حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ووجد اعلام المثلية وجزيرة إبستين تملأ بصره ووعيه ، فسردية الغرب أصبحت منفرة بغطرستها، وازدواجية معاييرها، وهيمنتها الثقافية المنحطة، قتحولت من جنة الحريات إلى سوق الهويات المثلية وتفكيك الإنسان؛ فالغرب يخسر الحرب االاكثر أهمية أعني حرب المعنى ومعنى المعني الإنساني.

اما في العالم الإسلامي السني، فنشهد التراجع الكبير للسرديات الكبرى المحركة للتاريخ بسبب الهزيمة الحضارية ، فالحركات الإسلامية مثلا قد تخلت عن التعبير عن نفسها من خلال مشروع أممي جامع كالخلافة أو الإمامة العظمى، كما كان بفعل الأفغاني ومالكبننبي، واستبدلت السردية الكبرى بالمشاريع القطرية الصغيرة، تلك التى تالف في سوق سته بالحاج يوسف ههه، أو هي انشغلت بمعارك سياسية تكتيكية ويومية متلاحقة ، وبالمحصلة فان غياب الرواية الجامعة جعلها تابعة لمنتجات حضارية غربية تعغنت في الغرب الحضاري فهي عواصم تتلقى الفعل ولا تصنعه، تبحث عن استعادة مجد مفقود في القرن الحادي والعشرين، ولكن بلا خريطة طريق.

أما في السودان، المثقل بالإقزام السياسبة فالمشهد أكثر مأساوية؛ عندما تطالعنا سرديات العقول الحقيرة والأحلام الصغيرة التى لا ترتاد الا آفاق خطاب المركز والهامش، واوهام دولة النهر والبحر، وزبف مشاريع انفصال دارفور، والصراعات القبلية التي يغذيها الخارج؛ منتجة أيديولوجيا سفاسف الأمور بامتياز، فبينما تتسابق الأمم نحو بناء السرديات الكبرى فى التاريخ والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا ورؤية العالم، يغرق ناس “قريتي راحت” في حفرة القبيلة والجهوية فلا توجد سردية جامعة تقول ما هو السودان؟ ولماذا نعيش معاً؟.

ان المعادلة باتت واضحة في عالم اليوم، فإما أن تتبنى لنفسك سردية كبرى، و تؤمن بها، وتقاتل من أجلها، وتجعلها بوصلة للسياسة والاقتصاد والتعليم وصناعة السلاح. وإما أن ترضى بأن تكون هامشا في رواية الآخرين، ومجرد رقم في معادلاتهم، وان تختار لنفسك سفحٍ تسكنه مع المهزومين والمتفرجين على التاريخ وهو يُصنع.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى