ياسر الفادني يكتب في من اعلى المنصة: زول بريدك …زَيِّ مافي !

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
زول بريدك …زَيِّ مافي !
هذا العسل السوداني الذي أمامك… ليس أغنية عاطفية عابرة، بل حالة وجدانية مكتوبة بهدوء العارفين لا باندفاع المتوسلين، النص ينطلق من يقين داخلي بالحُب، لا من خوف الفقد ولا من رغبة الامتلاك، الشاعر لا يساوم ولا يطلب تغييرًا، بل يعلن قبولًا كاملًا للآخر كما هو، بخلافه وصفائه، بقربه وجفائه، عبارة (زول بريدك زي مافي) ليست لازمة غنائية فقط، بل فلسفة عشق ناضجة تُقال بثقة، وتُعاد كقسمٍ وجداني يُثبّت المعنى في الوجدان لا في الأذن وحدها،
العاطفة هنا متزنة، دافئة، خالية من الضجيج، حتى لحظة الخصام لا تُقدَّم كتهديد للحب، بل كخروج مؤقت عن الطبع، الشاعر يضع الحب في مقام الأصل، وكل ما عداه طارئ، في (شلت ريدك في الحنايا) تتحول العاطفة إلى حمل داخلي مقيم، لا إلى نزوة أو اندفاع، وفي مخاطبة الزمن (يا زمن ريدي الخرافي) يخرج النص من الثنائية التقليدية بين عاشق ومعشوق إلى فضاء أوسع، حيث يصبح الزمن نفسه شاهدًا على استثنائية هذا الريد
بلاغة أشرف سيد أحمد الكردينال تقوم على البساطة الممتنعة؛ مفردات مألوفة في اللسان السوداني، لكنها مشغولة بوعي شعري يمنحها عمقًا وتأثيرًا، لا إفراط في الرمز ولا فقر في الصورة، بل توازن دقيق ينتمي إلى مدرسة الشعر الغنائي السوداني الحديث الذي يحترم الذائقة الشعبية دون أن يفرّط في القيمة الجمالية، التكرار هنا ذكي ووظيفي، يعمّق المعنى بدل أن يستهلكه، ويحوّل اللازمة إلى محور تدور حوله التجربة كاملة
اللحن الذي صاغه كمال ترباس جاء وفيًّا للنص، لا متسلطًا عليه، اختار مسارًا لحنيًا دافئًا مستقرًا، قليل القفزات، يترك للكلمة حقها الكامل في الوصول، المقام المستخدم قريب من مساحات الطمأنينة والحنين في الموسيقى السودانية، والإيقاع متوسط، يمشي مع نبض القلب لا مع رغبة الرقص أو الاستعراض، اللازمة تعود بذات الروح مع تنويعات خفيفة، تحفظ الألفة وتمنع الرتابة، وتؤكد أن اللحن خُلق ليُحتضن لا ليُدهش فقط
أما صوت كمال ترباس، فهو هنا في أجمل تجلياته: صوت رجل خبر الحب لا شاب يتخيله، بحة خفيفة، تحكم عالٍ في النفس، وضوح في مخارج الحروف، وأداء يخلو من المبالغة، صوته يمنح الكلمات سلطة هادئة، ويجعل المستمع يشعر أن ما يُقال حقيقي، لا مُفتعل ولا مُزخرف
والدلالة الأعمق تكمن في هذا اللقاء الرمزي بين شاعر هو في الأصل قيادة رياضية ورمز جماهيري للفريق الأزرق و يُعد أحد صُنّاع الجوهرة الزرقاء ، وبين قامة فنية ذات صوت رخيم وفخيم … إنه التقاء الانتماء بالعاطفة، والجماهيرية بالوجدان، والقيادة في المدرج بالقيادة في الإحساس، كأن الأغنية تقول إن الجمال لا تحدّه التخصصات، وإن الإنسان الواحد يمكن أن يجمع بين الصرامة في الميدان والرقة في الكلمة
إني من منصتي أستمع … حيث أقول : في المحصلة، (زول بريدك زي مافي) أغنية لا تصرخ لتُسمَع، ولا تتصنّع لتُحَب، ولا تشيخ لأنها كُتبت من صفاء داخلي، هي أغنية تشبه أصحابها: شاعر كتب بصدق ، ولحن واعٍ، وصوت يعرف طريقه إلى القلب بلا استئذان.







