رأي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب: في ذكرى الهجرة المباركة

*د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب: في ذكرى الهجرة المباركة
.. رسالتان من أرشيف عمر الحاج موسى عن: جامعة أم درمان الإسلامية و(جامع) الكوة العتيق.. ووهج “النور الذي يضيء في الصدور”..!!*

في ذكرى الهجرة النبوية الشريفة تبرز الهجرة بوصفها لحظة بناء تتجاوز الجغرافيا إلى الفكرة. لم تكن انتقالاً من مكة إلى المدينة فحسب، بل ميلاد مجتمع يقوم على القيمة والعقد. وهي منهج متجدد: هجرة العقل من التقليد إلى الاجتهاد، وهجرة المؤسسات من الشكل إلى الوظيفة.

في هذا الأفق نستدعي وثيقتين من أرشيف الأديب عمر الحاج موسى إلى الدكتور منصور خالد. رسالتان متباعدتان زمناً، متحدتان جوهراً. نستدعيهما لأنهما تتسقان مع جوهر فكرة الهجرة، وننطلق منهما للقراءة في دلالتهما وربطها بالهجرة النبوية من حيث المنشأ والمبدأ. ليستا مراسلات عابرة، بل شهادتان على طريقة في التفكير والعمل العام، تكشفان أن “النور الذي يضيء في الصدور” كان معياراً تُبنى عليه المواقف وتُقاس به أدوار الجامعات والمساجد والرجال.

الرسالة الأولى وُلدت في ذروة الجدل حول جامعة أم درمان الإسلامية وسؤال الهوية. لم ينزل عمر الحاج موسى، رئيس مجلس الجامعة آنذاك، إلى ساحة المهاترة، بل رفع الحوار إلى مستوى التاريخ المقارن. ولنترك لنصه الأصلي أن يتكلم، فقد كتب إلى منصور خالد يقول:

«أخي منصور… جرى على لسانك ولسان عدد من الإخوة حديث عن تخلفنا ونحن نعيش السنين الأخيرة من القرن العشرين الميلادي… فإنني أريد أن أجري مقارنة بين ما جرى في السنين الأولى للقرون الأولى للهجرة وما يجري في السنين الأخيرة من القرون الأخيرة الميلادية لنحدد من المتخلف. حين هاجر المسلمون الأوائل، لم يحملوا معهم سوى القرآن والإيمان، فبنوا بهما دولة وحضارة. وحين هجرنا نحن تعاليم صاحب الهجرة، صرنا نتسول على موائد الحضارات».

ثم يمضي ليؤكد: «إن جامعة أم درمان الإسلامية ليست مدرسة دينية معزولة عن العصر، وإنما هي محاولة جادة لاستئناف دور الهجرة في صناعة الإنسان. وظيفتها أن تخرج للسودان والعالم الإسلامي عقلاً مسلماً يفكر بمنطق العصر، وقلباً مسلماً ينبض بقيم الهجرة. ولقد أنجبت أمة الهجرة علماء قادوا المعرفة الإنسانية قروناً: من ابن سينا في الطب، إلى الخوارزمي في الرياضيات، إلى ابن الهيثم في البصريات، إلى ابن خلدون في العمران. أقاموا الحضارة على منهج القرآن، فكانوا شهوداً على أن الهجرة مشروع حضاري لا ينقطع».

هنا لا يرد على تهمة، بل يؤسس منهجاً يستدعي عظمة الأمة لا لتمجيد الماضي، بل لمحاكمة الحاضر. معادلته واضحة: حين أرّخنا بالهجري ولم نهجر تعاليم صاحب الهجرة، كنا في مركز الفعل الحضاري. وحين تمسكنا بالشكل وأضعنا الجوهر، تراجعنا إلى الهامش. لذا كان دفاعه عن الجامعة دفاعاً عن وظيفة لا عن جدران. رآها امتداداً حديثاً للمسيد والخلوة، مهمتها الأولى صناعة “الإنسان” المسلح بالهوية والمعرفة، قبل صناعة “الموظف” المسلح بالشهادة وحدها.

أما الرسالة الثانية، فعلى إيجازها، دستورٌ أخلاقي في سطرين. عام 1970، قصده شاب كفيف من أبناء الكوة اسمه علي جامع، يحفظ القرآن ويطلب عملاً يليق بما يحمل. لم يكتب عمر الحاج موسى “توصية” بيروقراطية، بل خاطب منصور خالد، وزير الأوقاف وقتها: «أقدم لك ابننا علي جامع من أبناء الكوة، ولد مكفوفاً واتجه إلى النور الذي يضيء الصدور، فماذا لديك لمكفوف يحفظ سورة عبس وتولى؟»

البلاغة هنا في قلب المعادلة. لا يقدم “حالة” تستدر الشفقة، بل “قيمة” تستدعي المسؤولية. لا يقول “كفيف يحتاج”، بل “اتجه إلى النور”. ولا يطلب وظيفة، بل يضع المسؤول أمام اختبار قرآني: هذا يحفظ “عبس وتولى”. وكان رد منصور خالد على قدر السؤال: عيّنه واعظاً بمسجد الكوة العتيق الذي تأسس في العام 1905م. وهكذا اكتملت الدائرة؛ من خلوة الخليفة موسى محمد قِيلِي، إلى مسجد الكوة، عبر جسر من الثقة بين رجلين قد يختلفان في الرأي ولا يختلفان على كرامة الإنسان.

والخيط الناظم بين الوثيقتين أن عمر الحاج موسى استمد منطقه من فيض الهجرة النبوية. تشكلت شخصيته في مسجد جده الخليفة موسى بالكوة على أن الهجرة منهج يومي: هجرة للعقل من التقليد إلى الاجتهاد، وهجرة للروح من العجز إلى البصيرة. بهذا الفيض صاغ رؤيته للجامعة بوصفها “هجرة معرفية” من التبعية إلى الأصالة، وموقفه من قضية علي جامع بوصفها “هجرة أخلاقية” من المنّة إلى الحق.

الوثيقتان ترسمان ملامح جيل رأى في الوظيفة العامة تكليفاً لا تشريفاً، وفي الثقافة مسؤولية بناء لا ترفاً، وفي الحوار فريضةً أخلاقية تسبق الغلبة. تنوعت الآراء بينهم، لكنهم حافظوا على أدب الخلاف وميثاق الود. كتبوا، ليسجل التاريخ أن “النور الذي يملأ الصدور” قادر على أن يملأ السطور بمداد البصيرة.

ونحن نستدعي “الوثائق” اليوم لا بدافع الحنين، بل للحاجة إلى معيار. فجامعة أم درمان الإسلامية ما تزال منارةً للعلم تجمع بين ثوابت الهوية ومتغيرات العصر. وجامع الكوة العتيق ما يزال يؤدي رسالته في بناء الوجدان. ويبقى “النور الذي يضيء في الصدور” القيمة الجامعة التي تواصل بها المؤسستان عطاءهما، على النهج القويم: أن خدمة الإسلام وصناعة العلم وبناء الإنسان منظومة واحدة.

رحم الله الأديب عمر الحاج موسى. كانت سيرته هجرةً متصلة من القول إلى الفعل، ومن الذات إلى المبدأ. وما أحوجنا اليوم أن نستلهم من ذكراه ومن ذكرى الهجرة حقيقة واحدة: أن النهضة تبدأ من الداخل، وأنه لا خلاص لنا إلا بالعودة إلى ذلك النور الأول، فلا نجاة إلا بـ “النور الذي يضيء في الصدور”.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى