رأي

لـواء رُكن ( م ) د. يونس محمود محمد يكتب: التطبيع الاعلامي مع الكيان الصهيوني

بسم الله الرحمن الرحيم

١٥ يناير ٢٠٢٦م

*التطبيع الاعلامي مع الكيان الصهيوني*

✍️ لـواء رُكن ( م ) د. يونس محمود محمد

التطبيع المقصود هُنا هو ما تقومُ به القنوات والفضائيات العربية بتناول اخبار العدو الصهيوني بذات النفس والاعتياد الذي تتناول به سائر الاخبار، في خلطٍ متعمّد لاعادة غسل ( *نجاسة* ) الصهيونية التي يتجنّبها السامعون والمشاهدون على امتداد الوعي الجمعي بعداوةِ هذا الكيان للامّة المسلمة عامةً والعربية خاصّة، وما ارتكبه من جرائمٍ وما يخطّط لهُ من توسّعٍ ومضايرة للمنطقة العربية التي يعدّها بعض ميراث اجداده ويجاهر بذلك غير عابئٍ من التبعات.
في نظريات وممارسة الاعلام هُناك قضايا تمسُّ العقيدة والثقافة والامن الداخلي والمجتمعي، فضلًا عن اخبار العدو يجبُ تناولها والتعامل معها باعتبارات خاصّة، وتجد ذلك واضحًا في الاداء الاعلامي العالمي الذي يُمارس الحريّة في الاطار الفلسفي والمقاصدي للوسيلة الاعلام المعينة.
اللافت للنظر أنَّ كثيرًا من القنوات والفضائيات العربية فتحت نوافذها للدعاية الصهيونية والترويج لها من خلال استضافة الالدَّ خصومةً من الصهاينة، منهم العسكريين والسياسيين ورجال الدين والنشطاء المتعصبين للصهيونية والمغالين في عداوة العرب، والداعين لتصفية القضية الفلسطينية بتصفية اهلها وسحلهم واخراجهم قسرًا من مما تبقّى من ديارهم.
كُل هذا تأسيسًا على قاعدة ( *الرأي والرأي الآخر* ) في اعتقاد قادة هذه الاجهزة، ليرفعوا حرج التداول مع العدو وتطبيع ظهور ممثليه، وتكرار دعايتهم وتبرير افعالهم، والتجنّي على الثوابت العربية، وافتئات الحقّ الفلسطيني، بل وبذل الوعيد والتهديد وممارسة الحرب النفسية والدعاية السوداء مجانًا من هذه النوافذ الاعلامية ذات المشاهدات الكبيرة، ومن عامّة الناس وخاصّةً المعنيين بصناعة القرار واتخاذه ليتسرّب اثر هذه الحروب الذكية المدروسة الى انفسهم كما يتسرّب الهواء بين شعاب الرئة، ويترُك آثاره في مجمل الوعي والحضور حال التعامل مع هذا العدو في ايّة قضية.
انَّ الدفع بالتطبيع الدبلوماسي مع بعض الدول لا يفرضُ عملية التطبيع الاعلامي، بل يترك مسار التطبيع يمضي وحيدًا في مساره الموحش المريب حتى يأتي اليوم الموعود والشعوب لم يجرِ تشويه وجدانها بهذا التطعيم الاعلامي الخبيث.
والاعجب انَّ الاعلام العبري الاسرائيلي يعتمدُ سياسة الابواب المُغلقة، وسياسة حارس الابواب ليمنع مرور ايّ مادة اعلامية عربية تقدح في احقيته فيما يدّعيه، وليس ثمّةَ تساهل في ذلك بدعوى ( *الحُريّة* ) بأن يتناول الاعلام ايّة عناوينٍ بلا رقيب، فقناةُ الجزيرة التي تُعتبر اكبر منبر لدعاية الصهاينة من باب الحريّة ممنوعةٌ بالقانون من البثّ في الفضاء الاسرائيلي، وتمّت تصفية عشرات المراسلين والمصوّرين العاملين معها، وتمَّ تدمير مكاتبها ومصادرة معداتها مرّاتٌ ومرّات، وما تزالُ تجدُ في نفسها سعّةً وتسامح للافساح لدهاقنة الصهيونية ومواليهم بأن ينفثوا حقدهم وسمومهم ويروّجوا دعايتهم من خلالها، ويتقاضون اجرًا مقابل هذه الاستضافة !!
بينما يحرّم ظهور اي سياسي عربي او مفكر او ضيف من هذا الاتجاه في القنوات الاسرائيلية عدا بعضُ حالات ظهور المتماهين مع المشروع الاسرائيلي، المنبهرين بقُدرات الصهاينة، المسارعين فيهم من فرطِ ضعف ايمانهم بربهم الذي قطع قولًا بعدوانية اليهود (*لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ * ) فتتم استضافتهم ليس من باب الحريّة بل لتعضيد المنطق الصهيوني وتقديمهم كشهودِ زور؛ لأنَّه بالطبع لا يُسمح لهم بمعارضة الموقف الصهيوني، فهذا حقٌّ مكفول فقط في اطار ممارسة النقد الذاتي الموقوف على الضيوف من الكيان، وفي حدودٍ متفقٌ عليها.
بالأمس ظهر المدعو كوهين في فضائيةٍ عربية، يبشّر بضرب ايران واسقاط الحكومة الايرانية ومن ثم التفرّغ للعرب حيثُ وصفهم بأنهم ظاهرة صوتية، وسخر منهم حدَّ السخرية وقال انهم سينبطحون لاسرائيل ويتذلّلون للتطبيع معها لنيل رضاها واتقاء بأسها، وهدّد قطر بالويل والثبور وعظائم الامور مع اغفال كُل ما قدّمته قطر للكيان في سعيها لوقف العدوان وتسهيل عمليات التفاوض لاطلاق سراح الاسرى، ولولاها ما اُطلق سراح واحدٍ منهم.
كُل هذا تراهُ بعينٍ دامعة وفؤاد مكلوم وقلب مفجوع، وتسمعهُ من القنوات والفضائيات العربية التي تأبى وتمتنع عن استضافة معارضين من دول المنطقة ،كان لهم الحق بالظهور من ذات باب ( *الرأي والرأي الآخر* ) الَّا انَّ ذلك لم يحدث.
انِّك لتعجب على من يشحذ سكين عدوه ويذخّر سلاحه، ويروّج دعايته من باب الحريّة المفترى عليها.
التطبيع الاعلامي مع العدو الصهيوني جريمةٌ ترتكبها القنوات والفضائيات العربية في حقّ وعي الشعوب، وذاكرة الاجيال، ومآلات المواجهة والصراع، وكأنَّها تمهّد السبيل، وتهيئ البيئة للمتغيّرات القادمة خدمةً للمشروع الصهيوني.

الله غالب.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى