رأي

محاسن عثمان نصر تكتب: 11 يناير… صباح أعاد للإنسانية وجهها، وكتب فجر الاستقلال بمداد النصر

11 يناير… صباحٌ أعاد للإنسانية وجهها، وكتب فجر الاستقلال بمداد النصر
ود مدني… عادت لحضن الوطن
كتبت : محاسن عثمان نصر

لم يكن 11 يناير مجرد تاريخ يُضاف إلى الذاكرة، بل صار رمزًا مكتمل الدلالة للفرح بالنصر، ويومًا استعاد فيه الناس حقهم في التنفّس بلا خوف، ومفتاحًا لبداية مرحلة جديدة نحو الاستقلال. في ذكرى تحرير ود مدني من قبضة التمرد، تستعيد الولاية صباحًا لا يشبه سواه؛ صباح الانعتاق الذي أعاد للمدينة نبضها، وللإنسان فيها حقه في الأمان، بعد تجربة قاسية وُشمت في القلب قبل أن تُحفظ في الذاكرة.

في العام 2025، أشرقت ود مدني على فجرٍ مختلف. ورغم التحذيرات الأمنية التي قيّدت الحركة، لم تستطع القيود أن تحبس الفرح. خرج المواطنون أمام منازلهم، يهتفون للنصر، يتعانقون بلهفة الانتظار الطويل، كأن المدينة جسدٌ واحد يستعيد روحه. كانت تلك الليلة أول نومٍ بلا خوف منذ أكثر 360 يوم؛ أبواب مشرعة، وقلوب تختبر الطمأنينة بحذر، كأنها تخشى أن تكون حلمًا عابرًا.

وفي اليوم التالي، اكتملت ملامح المشهد. احتشدت الجموع في الشوارع الرئيسية لاستقبال القوات المسلحة والقوات المساندة. ارتفعت أصوات التكبير والتهليل، وتحولت مشاهد كانت تُثير الرهبة يومًا إلى رموز خلاص. استُقبل الجنود بدموعٍ سبقت الهتافات، وبفرحٍ يشبه النجاة بعد غرقٍ طويل. امتزجت مشاعر النصر بوجع الفقد؛ فلكل انتصار ظلّ، ولكل فرح أسماء غابت ولم تَعُد، حاضرة في الذاكرة، مقيمة في القلب.

لم يولد هذا الصباح من فراغ. فقد سبقه ليلٌ طويل بدأ في الخامس عشر من ديسمبر 2023، حين خرجت ولاية الجزيرة من دائرة الأمان ودخلت طورًا مظلمًا من الفوضى وانعدام القانون. لم تكن تلك الفترة أرقامًا في تقارير، بل حياةً يومية تُعاش بثقلها الكامل.. عالقون بين المرض والعجز والعوز، في ظل غياب الأمن، وشحّ الغذاء والمياه، وتفشّي الأمراض، وتوقّف التعليم، وتمدد عمالة الأطفال كأحد أكثر وجوه الانهيار الاجتماعي إيلامًا.

تدهورت الخدمات الأساسية حتى صار الحصول على الماء النقي أو الدواء مغامرة يومية، وأصبح التنقل عبئًا ثقيلًا، فيما سادت لغة الفقد بكل أشكالها، فقد الأرواح، والمنازل، والطمأنينة. كان الجوع يتسلّل بصمت، لا يصرخ، بل ينهش الكرامة، وكان الخوف متعدد الوجوه؛ صوتٌ في الليل، نظرةٌ في النهار، وصمتٌ أطول من اللازم. هناك، تعلّم الناس أن القسوة لا تُنسى، بل تُقيم في القلب شاهدًا على ما كان.

وسط تلك المرارة، وُلد تضامن صامت. تقاسم الناس القليل، واقتسموا الخوف كما يقتسمون الخبز، وابتكروا للحياة مسالك ضيّقة وسط الخراب. لم يكن ذلك بطولة مُعلنة، بل فعل نجاة يومي، ينهض مع الفجر ويصمد حتى المساء. أطفال كبروا قبل أوانهم، وشيوخٌ تراجع بصرهم وهم يتلمّسون الطريق، وأسرٌ كاملة تعلّمت أن الصبر قد يكون المورد الأخير للبقاء.

اليوم، ومع دحر التمرد واستعادة السيطرة، يجب إن لا يقف 11 يناير عند حدود الذكرى، بل يتحول إلى علامة فارقة وبوصلة للمستقبل، ومهّد لطريق الاستقلال. تتجه فيه الأنظار إلى معركة لا تقل أهمية معركة الإعمار، وعودة النازحين، واستعادة الخدمات، وترميم ما خلّفته الحرب في الإنسان والمكان. معركة الحياة حين تعود إلى مجراها الطبيعي، محمولة بإرادة الصمود، وبدرس الذاكرة، حتى لا يتحوّل الألم إلى قدرٍ متكرر.

الشكر للمولى عز وجل الذي بشرنا في كتابه الكريم: (نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين)، والتقدير العميق للقوات المسلحة والقوات المساندة، مؤكدين أن ما تحقق لم يكن انتصارًا عسكريًا فحسب، بل استعادة للضوء، وللثقة، ولحق المدينة في أن تحيا.

هكذا جاء الصباح أولًا…
وجاء 11 يناير رمزًا للفرح بالنصر، وشهادةً على مرارة التجربة، ودليلًا على أن بعض الأيام لا تُقاس بالزمن، بل بما تُعيده من حياة، ومهّد الطريق نحو استقلالٍ طال انتظاره.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى