رأي

حيدر التوم خليفة يكتب: سلسلة الترامبية تهز العالم أزمة جرين لاند..

*سلسلة الترامبية تهز العالم*

*ازمة جرين لاند*

*مطامع ترمب في جزيرة قرين لاند هل تعيد تعريف النظام العالمي ، وتسقط ولاية القانون الدولي ، وتمهد لوضع عالمي جديد قائم علي القوة لتحقيق المصالح ..؟*

*وهل تنحني اوروبا امام مطالب ترامب بتوقيع اتفاقية مذِلة ، ام تقاوم وتزيد من مخاطر تفكيك الناتو ، وإنكفاء أوروبا علي نفسها …؟*

*حيدر التوم خليفة*

نعم .. *نحن نريد جزيرة قرين لاند ، سوف نأخذها بالاسلوب السهل ، وان لم يحدث هذا ، فسنأخذها بالاسلوب الصعب* ، هكذا حسم *ترامب خطواته ونيته الاستيلاء علي الجزيرة* الواقعة في اقصي المحيط الاطلسي ، عند القطب الشمالي ، في الجزء الشمالي الشرقي الاقصي المقابل لكندا ..

وهو قول اذا رددناه الي لغتنا العامية السودانية ، فيمكن ايجازه في التعبير الهمباتي الاتي :*(حنشيل الجزيرة بالحسنة او بالرجالة)*…

وهي جزيرة يغطي اكثرها الجليد معظم العام ، وسيادياً تتبع ١*لمملكة الدنمارك* ، وتتمتع بالحكم الذاتي ، في وضع اقرب للاستقلال منذ ٢٠٠٩ ..

وقد كانت الجزيرة مستعمرة دنماركية بعد ان طردت النرويج منها عام ١٨١٤ ، وتغير وضعها من مستعمرة الي اقليم دنماركي منذ خمسينيات القرن الماضي ، وصار سكانها مواطنون دنماركيون بالكامل ، ويمثلهم عضوان بالبرلمان الهولندي ، ويدينون حالياً بالولاء لملك هولندا فريدريك العاشر ، ولهم برلمان من ٣١ عضواَ ، وخمسة احزاب ، ورئيس وزراء ..

ويبلغ عدد سكانها حوالي ٥٨ الف شخص ، ويغلب عليهم أصول الاسكيمو ، والنورثمن  (رجال او شعب الشمال) إضافة الي العرق الدنماركي ، والهجين منهم ..

وهي اكبر جزيرة في العالم ، بمساحة تتعدي الاثنين مليون ومائة ستة وستون الف كلم م ، وبها اماكن لا تري الشمس لمدة تفوق المائة وخمسين يوماً ..

وامريكا اليوم شيدت بها اكبر قاعدة مراقبة للصواريخ ، خارج اراضيها ، وفكرة ضمها الي امريكا ، والتي طرحها ترامب خلال ولايته الاولي في ٢٠١٩ ، لم تكن الاولي ، فقد عرض الرئيس الامريكي ليندون جونسون في العام ١٨٦٧ للدنمارك ، مقايضتها بجزيرة ميندناوا الفليبينة ، وفي الخمسينيات من القرن الماضي عرض هاري ترومان مبلع ١٠٠ مليون دولار ذهبي للدنمارك للتنازل عنها لصالح امريكا ..

وبالامس قال الرئيس ترامب معلقاً علي تمسك الدنمارك بها ، منذ زمن يفوق عمر امريكا نفسها ، (*ليس لان هناك من جاء بقواربه قبل خمسمائة عام ، ونزل علي سواحلها فله الحق في إدعاء ملكيتها ، ونحن قد وصلناها قبلهم*) ، وذلك في تزوير غريب للتاربخ ، وتفسير شطط لمبادئ السيادة ..

وهو يتخفي وراء الاسباب الحقيقية لنواياه من ضم الجزيرة بقوله :
*انه يخشي ان تحتلها روسيا او الصين ، وتمثل تهديداً لامريكا ، لهذا فوجودها تحت السيادة الأمريكية هو ضمان بعدم احتلالها من هاتين الدولتين*..

وهذا كذب بواح ، لانها *مقاطعة دنماركية وبالتالي محمية من الناتو ، بحكم عضوية الدنمارك به* ..

والسبب الحقيقي وراء لهث ترامب لضمها هو *ثرواتها الطبيعية من بترول وغاز ومعادن نادرة* ..

ويعارض جنرالات الجيش الامريكي اي عمل عسكري لضمها بالقوة لانها سوف تؤدي *الي تفكيك الناتو*  ، خاصة وان ترامب امر القيادة العسكرية بوضع الخطط لاختلالها ..

ولكن ماذا لو *نفذ ترامب تهديده وإحتل الجزيرة بغزو عسكري* ، خاصة وان حوالي ٩٠٪ من سكانها يعارضون الانضمام الي امريكا ، وقالوا انهم *يرفضون ان يكونوا مستعمرة امريكية* ، ولا يريدوَن ان تنتقل اليهم *امراض المجتمع الامريكي من مخدرات ودعارة وجريمة* ..؟

يحدد ميثاق حلف الناتو ان لاي دولة في الحلف حق *المطالبة بتفعيل المادة الخامسة ، في حالة تعرضها لاي غزو خارجي ، او خطر وجودي* ، وعلي دول الحلف الاستجابة لذلك مجتمعة وتسخير موارد وقدرات الحلف لدرء هذا الخطر ..

ولكن هذه حالة فريدة ، اذ ان كلاً من *مملكة الدنمارك وامريكا عضوان في الحلف*  ، وهنا تساءل الاوربيون عن *طبيعة التصرف القانوني حول هذه المعضلة* ..؟

وتوقع معظم الاوربيين ، *نهاية الحلف وتفككه اذا نفذ ترامب تهديده ، واخذ الجزيرة بالقوة* ، ولكن هذا امر لا يعبأ به ترامب ، الذي طالما *انتقد الحلف علناً* ، مما دفع *بالرئيس الفرنسي ماكرون الي الدعوة بان يقوم الاوربيون بامر حماية بلدانهم بأنفسهم* ، وان يتخلوا عن الاعتماد علي امربكا ، وهذا يتطلب تأسيس *قوات حماية عسكرية اوروبية مستقلة عن امريكا* ..

وعطفاَ علي التداعيات الحالية لخطوة ترامب وتهديده ، فقد نادت العديد من الجهات الأوروبية *بتوطين صناعة السلاح في اوروبا* ، وعدم الاعتماد علي السلاح الامريكي ، ونادي اخرون *بمقاطعة الشركات الأمريكية كإجراء إنتقامي* في حالة تنفيذ ترامب لتهديده ، وهو امر بالتأكيد سوف يُفرِح كثيرأَ روسيا والصين….

إن ترامب والذي يتصرف كالثور في مستودع الخزف ، *يدوس علي مبادئ القانون الدولي ، والارث القيمي الانساني ، والعلاقات بين الشعوب ، ويهدم النظام الدولي الحالي ، ويعمل علي إقامة نظام محركه القوة ، ومعياره المصالح* ..

وقد صرح قبل ايام انه لا *يعبأ بالقانون الدولي اذا تعارض مع تنفيذ اهدافه* ، ومرجعبته في كل تصرفاته هي *اخلاقه* التي تمنعه عن القيام عن بعض الافعال .

هذا الرجل يعني ان لا حرمة لقانون لديه ، وان مقياس الافعال هو *اخلاقه المثقوبة* ، وهي *الشئ الذي يفتقده ، فالرجل يكذب ويغش ويخادع ، فهو مزيج من السوالب اجتمعت في شخصية نرجسية* ، فهو يتحدث عن نفسه دائما وانه علي صواب وغيره علي خطأ ، في اسلوب فرعوني  ، يحمل مبدأ مذموم (*لا اريكم الا ما اري وما اهديكم الا سبيل الرشاد*) ..

وهو. حقيقة يطبق عملياً مبادئ شعار *الماقا MAGA*  التي أنتخب عليها ، وهي *لنجعل امريكا عظيمة مرة اخري* ، ولكن بصورة *تفتقد الي البعد الدستوري و الافق الاخلاقي* ، ويُمكْن لمبدأ الاعتداء على الاخربن من *منطلق القوة لتحقيق المصالح* ، مهدداً البشرية جمعاء  ، *فهو دجال في ثوب مسيح*  ..

واذا تسامح المجتمع الدولي مع هكذا تصرفات ، فسوف يصير كالطفل الصغير ، الذي يبكي ويبكي حتي يحصل على ما يريد ، ولكنه هنا سوف يظل *يضرب ويعتدي حتي ينال ما يريد* ، لهذا وجب علي المجتمع الدولي *لجمه* ، لانه اذا لم يحدث ذلك ، فسوف *يضع سابقة خطيرة ، تمكن القوي اخذ ما يري مستقبلاً متجاوزاً للقانون الدولي* ..

واكثر الدول التي يجب ان تتحسب لهذا الامر هي *دول النفط* ، والتي لن يمنعه شئ من *احتلال مناطق انتاجها ، والتحكم في نفطها ، انتاجا وتسويقا وفق مصالحه* (كحالة فنزويلا) ، ويحقق اهدافه واهمها *حرمان الصين من اي إمدادات نفطية الا وفق شروط معينة ، كبحاً لنموها الاقتصادي* ..

وكحل يتجاوز اطماعه يقترح كثير من الاوربيين عقد *اتفاقية واسعة معه ، تمكنه من إنشاء قاعدة عسكرية امريكية ضخمة خارج مظلة الحلف* ، لتأمين امريكا ضد اي هجوم ، علي ان يتخلي عن فكرة غزو الجزيرة ..؟

ولا اظن انه سيقبل لانه إن فعل ، فسوف يكشف *اهدافه الحقيقية ، واطماعه فيما تحت ارضها ، وليس وجوده فوق ارضها* ..

إحتلال ترامب لقرين لاند ، سيمثل *ضربة قاصمة للناتو* ، ويُحدث *اختلالاً في القانون الدولي* ، ويفتح *باباً معيباً* للتعامل بين الدول ، إنه ببساطة *قفزة في المجهول* …

*حيدر التوم خليفة*
السودان ١١ يناير ٢٠٢٦

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى