رأي

ياسر الفادني يكتب في من اعلى المنصة: التَسَوِي كِرِيتْ تَلْقَاهو في جِلِدا !

من أعلى المنصّة

ياسر الفادني

التَسَوِي كِرِيتْ تَلْقَاهو في جِلِدا !

هذا المثل السوداني لا يحتاج إلى شرح طويل، (فالكريت الغنماية) قصيرة الأذنين لا تخبئ فعلاً ولا تستر جرماً، وكل ما تُقدِم عليه تجده مرتداً على جلدها قبل أن يكتمل صداه في الفضاء، هو قانون العدالة الفطري: من يزرع شوكاً لا يحصد إلا دماً، ومن ينفخ في نار الخراب لا بد أن يكتوي بلهيبها

ثلاث سنوات ودويلة الشر تحمل معول الهدم، وتفتح خرائط الدم، وتدير مصانع الرعب ضد شعبٍ أعزل، متخذة من مليشيا الجنجويد أداة، ومن المال سلاحاً، ومن الخيانة جسراً، ثلاث سنوات والسودان يُجلد بلا رحمة، تُقصف مطاراته، تُحرق مدنه، تُروَّع نساؤه، ويُيتم أطفاله، حتى ظنّ أهل الشر أن السماء قد أغلقت أبوابها، وأن الدعاء صار بلا عنوان

دُمّر مطار الخرطوم، فجاء الرد من ذات اللغة: دُمّر مطار زايد، أكبر مطارات الدويلة، حيث القاعدة الأمريكية، وحيث تعبر قوافل الخراب إلى اليمن والسودان وليبيا والصومال، هناك في قلب الوهم المتغطرس، سقط القناع، وتعرّت أسطورة (جيش الدويلة الأقوى) ! ، فإذا بها كرتونٌ مبلل، وصوتٌ مبحوح، وبيانٌ يتيم لا يملك حتى شجاعة الصدى

قالوا لنا: لدينا قوة ضاربة. فأين هي؟ أين جيشهم الذي صدّعوا به الرؤوس؟ لماذا لاذ بالصمت، وانكمش كجرذٍ مذعور داخل جحر الخيبة؟ الضربات الايرانية علي دويلة الشر اثبتت أن جيش الدويلة (قاعد في السهلة) ! ويطغي عليه منظر (أم فكو) المرتبك، المكسور، المتلفت خلفه كمن ينتظر صفعة أخرى!

إيران التي أرادوا كسرها وإذلالها، تعيد تعريف المعادلة بضربات في العمق، تُجدّد الرعب في صدور من اعتادوا بث الرعب في صدور الآخرين، يومان من الضربات كانا كافيين ليعرف حكام الدويلة طعم الخوف الحقيقي، ذاك الذي لا تُسكّنه المليارات ولا تُخدّره القواعد الأجنبية، ذاقوا طعنة الفزع، وتجرّعوا مرارة القلق، وتسلل بعضهم ليلاً إلى مخابئ الأمان، تاركين خلفهم قصوراً ترتجف، وأسرّةً باردة، وقلوباً تلهث

أما في السودان، فالمشهد مختلف. هنا، حين تنادي المساجد للصلاة، تمتلئ الصفوف بوجوهٍ تعرف الله حق المعرفة، وحين يقول الإمام: السلام عليكم، تخرج من بين الصفوف دعوات صادقة، نقية، لا تعرف الزيف، دعوات المظلوم إذا صعدت، فتحت لها السماء سبعة أبواب، ولا تحتاج إلى تأشيرة ولا وساطة ، في كل سجدة، هناك سهم نور يُطلق نحو صدر الطغيان، وفي كل دمعة، هناك زلزال يُعدّ في الخفاء،
الدعاء سلاح، لكنه ليس سلاح الضعفاء كما يظن السذج، بل سلاح من يعرفون أن للكون رباً لا ينام، وأن للظلم ساعة انكسار، مهما طال ليله، هو سلاح لا يُرى، لكنه حين يعمل، يُسقِط المطارات، ويهز العروش، ويبدد أساطير القوة الزائفة

اليوم، يفرح السودانيون لا شماتةً في مصاب، بل انتصاراً للعدل المؤجَّل، يفرحون لأن يد الله لا تُهزم، ولأن صبر المقهور لا يضيع، ولأن دموع الأمهات لا تصعد عبثاً، يفرحون لأن شيطان العرب ذاق من الكأس نفسها التي سقاهم منها، ولأن من ظنّ الدنيا دائمة له، اكتشف أنها عابرة كظلٍ عند المغيب
إني من منصتي أنظر … حيث أري…. التسوي كريت تلقاهو في جلدا
قانون لا يخطئ، وعدالة لا تنام، ورسالة مكتوبة بمداد الخوف في قلوب من ظنّوا أن الخراب تجارة رابحة، فإذا بها صفقة خاسرة في سوق السماء.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى