وداد الماحي تكتب في دوزنة أحاسيس : مآذن المعرفة في ظلال البركل

دوزنة أحاسيس
بقلم: وداد الماحي
مآذن المعرفة في ظلال البركل
تتكئ مدينة كريمة على كتف التاريخ بوقار المهابة، حيث يشمخ جبل البركل كحارس أمين يروي حكايا الملوك وعظمة الحضارة التي كانت وما زالت قبلة للسياح من كل فج عميق، يشدون الرحال ليشهدوا عناق النيل مع صخور الجبل الأشم. هي مدينة لا تكتفي بجمال طبيعتها وهيبة آثارها، بل تمتد جذورها في وجدان أهلها كنبع من المودة والأصالة؛ فما إن يُذكر “البركل” حتى يتبادر للذهن شموخ الإنسان السوداني وعراقة انتمائه التي لا تموت.
وفي هذه الأيام، ازداد وجه كريمة إشراقاً بافتتاح مكتبة الهدى العامة بمربع (2)، ذلك الصرح الذي أشرق وسط حضور رسمي ومجتمعي بهيج، وتزاحم فيه الأهل والأحباب والمهتمون بالشأن الثقافي. لم يكن مجرد قصّ شريط تقليدي، بل كان احتفاءً شعبياً بعودة الروح للكتاب في زمن ضجت فيه الشاشات الرقمية، وتأكيداً على أن المعرفة هي القوة الحقيقية التي تبني المجتمعات وتنهض بالأمم.
منارة جديدة في قلب المدينة
مكتبة الهدى، التي اختارت مكانها بعناية بجوار “كافتريا الزعيم” ومقابل “حلواني المنصوري”، لم تأتِ لتكون مجرد جدران ورفوف صامتة، بل جاءت لتكون رئة يتنفس من خلالها المجتمع المحلي. إن وجودها في هذا الموقع الحيوي يجعل من المعرفة مادة يومية قريبة من نبض الناس، ومساحة تمنح الطلاب والناشئة بيئة مثالية للتحصيل العلمي والاطلاع الهادئ.
عرس ثقافي بحضور الدولة والمجتمع
ما أضفى على هذا الافتتاح قيمة كبرى هو ذلك الالتفاف الرسمي والمجتمعي الواسع؛ حيث شرف الحفل مدير الوحدة الإدارية بكريمة، ورئيس شرطة المدينة، والقاضي المقيم، ومدراء مكاتب الاستخبارات والأمن، جنباً إلى جنب مع مشرف جمعية الهلال الأحمر بمروي وكريمة، وممثلي لجنة تطوير كريمة وجمعية “شباب من أجل البلد”. هذا الحضور النوعي يعكس إدراكاً عميقاً بأن الأمن الفكري والثقافي هو الركيزة الأساسية لاستقرار وتطور المنطقة.
عطاء يتجاوز الحرف
إن فوائد هذا الصرح تتجاوز مجرد القراءة؛ فهي:
حضن للشباب: تحمي عقول الأجيال القادمة وتوجه طاقاتهم نحو البحث والابتكار.
جسر حضاري: تربط عظمة الماضي الذي يمثله الجبل، بإشراقة المستقبل التي يمثلها الكتاب.
ملتقى فكري: توفر بيئة مناسبة للنقاشات التي تسهم في نشر الوعي والارتقاء بالمنطقة.
دعم تعليمي: تعتبر إضافة نوعية تسند المسيرة التعليمية وتوفر مصادر غنية للطلاب والباحثين.
شكر وعرفان
ختاماً، لا يسعنا إلا أن نبعث بآيات الشكر والامتنان لكل الأيادي البيضاء والجهود المخلصة التي بذلت الغالي والنفيس لتخرج هذه المكتبة إلى النور. شكراً لكل من خطط، ودعم، وساهم في غرس هذه النبتة الطيبة، وشكراً لتلك القيادات التي آمنت بأن الكتاب هو خير جليس وخير بناء. إن هذا الإنجاز هو ثمرة تكاتف مجتمعي يستحق منا كل التقدير، ودعوة صادقة للجميع بأن يعمروا هذا المكان بالزيارة والمحافظة، لتظل أبوابها مشرعة تنهل منها العقول وتستنير بها البصائر.
هنيئاً لكريمة هذا الضياء، وهنيئاً لنا بوعي أهلها الذين يدركون يقيناً أن بناء العقول هو السبيل الأسمى لبناء الوطن.





