الحاج عبدالرحمن الحاج موسى يكتب… الاقتصاد السوداني: الفرس الجامح وسياسات الترويض .. !!
*د. الحاج عبدالرحمن الحاج موسى يكتب: الاقتصاد السوداني: الفرس الجامح وسياسات الترويض .. !!*
==========
ونحن طلاب في السنة الأولى بكلية الاقتصاد جامعة الخرطوم مطلع تسعينات القرن الماضي ، كان أستاذنا الكبير البروفيسور محمد هاشم عوض. – دائما – ما يفتتح حديثه لنا عن الاقتصاد بكلمات موجزة ما زالت تلاحقنا حتى اليوم: الاقتصاد هو ما يفعله الاقتصاديون، لم تكن عبارة للاستهلاك الأكاديمي، بل تحذيراً مبكراً من قامة علمية خبرت الميدان: النظريات تبقى حبراً على ورق إن لم تفهم طبيعة الحقل الذي تطبق فيه، اليوم بعد ثلاثة عقود يجلس كثير من زملاء تلك القاعة على مقاعد القرار في مفاصل المؤسسات الاقتصادية، وأراهم جميعاً يمتطون الفرس ذاته: اقتصاد سوداني جامح يبحث عمن يروضه.
والفرس الجامح ليس استعارة أدبية، بل توصيف دقيق لحالة اقتصاد خرج عن توازنه مؤقتاً، فالاقتصاد كائن لا يجامل النوايا ولا يصفق للخطط الورقية، له منطق داخلي صارم: عرض وطلب، كلفة وعائد، مخاطرة وسيولة، وحين تتفكك هذه السلاسل بفعل الأزمات يتحول إلى قوة تحتاج إلى من يعيد توجيه حركتها، لا من يصرخ في وجهها.
السودان يمتطي فرساً جامحاً لكنه يقف على أرض خصبة، فالمساحة الصالحة للزراعة تقدر بنحو 200 مليون فدان، لم يُستغل منها سوى 50,2 مليون فدان فقط في الموسم 2024-2025 وفقاً لوزارة الزراعة، أي 25% من الإمكانات، الثروة الحيوانية تتجاوز 109 ملايين رأس وفقاً لتقديرات وزارة الثروة الحيوانية، ويسهم القطاعان الزراعي والحيواني بنحو 32% من الناتج المحلي رغم الظروف الاستثنائية حسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، أما الذهب فالاحتياطي الجيولوجي المؤكد يتجاوز 1,550 طناً وفقاً لوزارة المعادن، وبلغ الإنتاج الرسمي 42,6 طناً في 2025 وفقاً لبنك السودان، بزيادة 17% عن 2024، ويملك السودان 2,750 كيلومتراً من السواحل على البحر الأحمر، مع 9 موانئ عاملة وفقاً لهيئة الموانئ البحرية، لم يُستغل منها اقتصادياً إلا 40% من طاقتها التصميمية، هذه الأرقام ليست للتباهي، بل للتذكير بأن الجموح الحالي يحدث فوق مخزون هائل من القوة الكامنة.
التحديات الماثلة معروفة لكل متابع، هناك تراجع في النشاط الاقتصادي الكلي خلال الفترة الأخيرة، وضغوط تضخمية متصاعدة، واتساع للفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، يضاف إلى ذلك ضعف تداول الكتلة النقدية عبر القنوات المصرفية، وتراجع الإنتاج في بعض المناطق، مع تحديات واضحة في تحصيل الإيرادات العامة، لكن هذه التحديات رغم قسوتها ليست قدراً محتوماً، فهي تعكس جموحاً يمكن ترويضه متى توفرت الإرادة والأدوات.
وسط هذا المشهد برزت حزمة سياسات أصدرها بنك السودان المركزي خلال الأشهر الماضية، وهي تمثل تحولاً واعداً في أدوات إدارة الفرس الجامح، أولى هذه السياسات خطوات متعلقة بتوحيد سعر الصرف عبر نافذة مرنة، وهي خطوة تعيد الثقة وتقلص المضاربة وتفتح الباب لعودة الكتلة النقدية إلى القنوات الرسمية، ثم جاءت ضوابط جديدة للتمويل الزراعي الموسمي، وسّعت محفظة السلم لتشمل قطاعات أوسع من المزارعين في عدة ولايات، وهي سياسة إنتاجية تعيد الروح لأهم قطاع حقيقي في البلاد، بعد ذلك أُعلنت حوافز متعلقة بتحويلات المغتربين عبر المصارف خلال الشهر الماضي، وهو اعتراف ذكي بأن رأس المال الوطني في الخارج شريك أساسي في الاستقرار، كما صدرت تنظيمات متعلقة بشراء الذهب عبر مجمعات جديدة للشراء المباشر، وأخيراً جاءت ترتيبات ربطت استيراد المشتقات النفطية بآليات تتعلق بالذهب عبر بنك السودان.
السياسة هنا تستند إلى مبدأ توظيف الميزة النسبية للسودان في إنتاج الذهب لتأمين سلعة استراتيجية كالنفط في ظل شح النقد الأجنبي، جوهرها تحويل الأصل الحقيقي إلى أداة نقدية مباشرة تتجاوز اختناقات سوق العملة، لكن نجاحها العملي مرهون بثلاثة شروط: أولها وضوح آلية تسعير الذهب وتقييمه لحظة الإيداع، وثانيها سرعة تسييل البنك للذهب عند الحاجة دون خسائر، وثالثها وجود ضمانات كافية للشركات بأن الإيداع ليس مصادرة مقنّعة، وأن الإفراج عنه يتم بسلاسة بعد استيفاء الالتزام.
هذه السياسات لا تزعم أنها تعالج كل الجراح دفعة واحدة، لكنها تضع اللجام في يد الدولة من جديد، فتوحيد السعر يعيد الثقة النقدية، وتمويل السلم يطلق الإنتاج، وحافز التحويلات يستعيد السيولة، وتنظيم الذهب يعزز الاحتياطي، وربط النفط بالذهب يبتكر حلاً لشح النقد الأجنبي، وكلها أدوات سوق لا أدوات أوامر.
فإن المؤشرات الأولية وفقاً لتقارير رسمية تبعث على التفاؤل، فقد سجّل توريد الذهب الرسمي تحسناً واضحاً منذ الأشهر الماضية، وشهدت تحويلات المغتربين عبر البنوك نمواً لافتاً خلال الفترة الأخيرة، كما توسّع نطاق تمويل الموسم الصيفي ليشمل مساحات أكبر من السابق، وبدأت شحنات النفط المرتبطة بترتيبات الذهب تصل إلى الموانئ مؤخراً.
مع ذلك يعرف الاقتصاديون أن السياسة النقدية تفتح الطريق لكنها لا تسير وحدها، مهمتها أن توفر بيئة مستقرة حين تتوفر الشروط الأخرى، لذلك تبقى هذه السياسات لجاماً يضبط الجموح، وتحتاج إلى انضباط مؤسسي يعيد كفاءة الأسواق، وشبكة لوجستية آمنة تضمن حركة الإنتاج والتوزيع.
الاقتصاد السوداني واعد رغم جراحه، يملك موارد هائلة، وموقعاً استراتيجياً، وسوقاً إقليمياً متعطشاً لمنتجاته، سياسات بنك السودان الأخيرة خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنها استبدلت الإنكار بالاعتراف، والأوامر بالحوافز، والجمود بالمرونة، تعلمنا في علم الاقتصاد أن منحنى العرض والطلب لا يجامل، لكنه يستجيب لمن يفهمه ويتقن أدواته، فعلم الاقتصاد ليس حفظ نظريات، بل هو القدرة على قراءة الواقع بعيون السوق، ومعرفة متى تشد ومتى ترخي، والفرس الجامح تحتنا اليوم يحتاج إلى فروسية: توازن، وبصيرة، ومعرفة دقيقة بموضع الشد وموضع الإرخاء، فإن أحسنّا عاد إلى المسار أقوى مما كان، والمؤشرات الإيجابية تقول إن العودة ممكنة، وأن الصعب لا يعني المستحيل.







