د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في “صدى المعنى” : تحرير الكرمك.. استفتاء شعبي متجدد على شرعية الدولة

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في “صدى المعنى”:
تحرير الكرمك.. استفتاء شعبي متجدد على شرعية الدولة
أصبحت عودة المواطنين إلى المدن التي يحررها الجيش السوداني من قبضة المليشيا المتمردة بمثابة استفتاء شعبي حقيقي يعبّر عن رفض السودانيين للتمرد وممارساته، وانحيازهم الواضح للدولة ومؤسساتها الوطنية، فلم تعد عمليات التحرير مجرد أحداث عسكرية على خارطة العمليات، بل تحولت إلى مشاهد سياسية واجتماعية تكشف إرادة الناس في التمسك بالدولة ورفض أي مشروع يقوم على السلاح خارج مؤسساتها، ويأتي تحرير مدينة الكرمك ليضيف صفحة جديدة إلى هذا الاستفتاء المتجدد، إذ جسدت عودة المواطنين إلى ديارهم ثقتهم في القوات المسلحة باعتبارها المؤسسة المسؤولة عن حماية الوطن وصون سيادته، ورسالتهم بأن السلام الحقيقي يبدأ بعودة الدولة وبسط القانون.
لقد راهنت المليشيا المتمردة، ومن وفر لها الدعم والإسناد، على فرض واقع سياسي بقوة السلاح وصناعة شرعية بديلة تستند إلى القوة والدعاية، غير أن الأحداث أثبتت أن الشرعية الحقيقية لا تُفرض وإنما تُكتسب من ثقة المواطنين، ففي المناطق التي شهدت وجود المليشيا تعطلت دورة الحياة، وتضررت المؤسسات، ونزح المواطنون حفاظاً على أرواحهم وسلامتهم، كما ارتبط وجودها، وفقاً لشهادات وتقارير متعددة، بانتهاكات طالت المدنيين وشملت القتل والترويع ونهب الممتلكات وتعطيل الخدمات والمؤسسات، وهي ممارسات خلفت آثاراً إنسانية واجتماعية عميقة في المجتمعات المحلية، وما إن بسطت القوات المسلحة سيادة الدولة حتى بدأت رحلة العودة، وعادت معها مظاهر الاستقرار والأسواق والخدمات والمؤسسات، وهذا المشهد يؤكد أن السودانيين يرون في الدولة الإطار الجامع، وفي الجيش المؤسسة الوطنية التي تحمي البلاد وتصون وحدتها.
إن مشاهد العودة إلى الكرمك تحمل دلالات تتجاوز مجرد رجوع السكان إلى منازلهم، فهي تعكس تطلع المواطنين إلى الأمن والاستقرار والحياة الطبيعية، كما أن احتفاء المواطنين بالقوات المسلحة واستقبال الجنود بالزغاريد والهتافات يحمل دلالة رمزية واضحة لا تخطئها العين، فهو تعبير عفوي عن رفض واقع الحرب والدمار، وتمسك بالأمل في السلام والاستقرار، وعودة الدولة إلى أداء دورها الطبيعي، فعودة المزارع إلى أرضه، والتاجر إلى متجره، والمؤسسات إلى العمل، تمثل رسالة صريحة بأن السلام المستدام لا يُبنى على قوة السلاح خارج الدولة، وإنما على سيادة القانون واحترام مؤسسات الوطن.
ومن هنا فإن النزوح من المناطق التي سيطرت عليها المليشيا، ثم العودة إليها بعد تحريرها، يمثل استفتاءً شعبياً متجدداً لا يحتاج إلى صناديق اقتراع، لأن إرادة الشعوب تُقرأ من خلال الوقائع على الأرض، وقد أثبت السودانيون في الكرمك وغيرها من المدن التي تحررت أن خيارهم هو الدولة، وأن أي مشروع يسعى إلى تقويض مؤسساتها سيظل عاجزاً عن اكتساب الشرعية مهما امتلك من أدوات القوة، وعلى المواقف الدولية أن تقرأ المشهد السوداني من هذه الصورة التي يعكسها مواطنو الكرمك وغيرها من مدن السودان، باعتبارها تعبيراً عن رغبتهم في السلام والاستقرار، ورفضهم للتمرد وممارساته، وأن تنطلق من إرادة الشعب لا من الدعاية أو الروايات المنفصلة عن الواقع.
إن تحرير الكرمك لا يمثل نهاية معركة، وإنما يؤسس لمرحلة جديدة تتكامل فيها الإنجازات العسكرية مع الرسائل السياسية التي يبعث بها الشعب السوداني إلى الداخل والخارج، فكل مدينة تتحرر تجدد الاستفتاء الشعبي على شرعية الدولة، وكل مواطن يعود إلى منزله يضيف صوتاً جديداً لهذا الاستفتاء، وكل مؤسسة تستأنف عملها تؤكد قدرة السودان على استعادة عافيته بإرادة أبنائه، إن مشهد الكرمك وغيرها من المدن السودانية يختصر رسالة واضحة مفادها أن السودانيين يتطلعون إلى وطن آمن ومستقر، وأن السلام الذي ينشده الشعب يبدأ من بسط سيادة الدولة واحترام مؤسساتها، ليبقى تحرير الكرمك شاهداً جديداً على قوة إرادة المواطن السوداني وتمسكه بدولته ووطنه.








