د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في “صدى المدى”: الكوة.. المدينة التي تجاور النهر وتُنجب المبدعين

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في “صدى المدى”:
الكوة.. المدينة التي تجاور النهر وتُنجب المبدعين
تعتبر مدينة الكوة واحدة من المدن السودانية التي تجاوز حضورها حدود الجغرافيا إلى رحابة الثقافة والإبداع، فهي مدينة تجاور النهر فتستمد منه هدوءه وخصوبته، وتحمل في ذاكرتها تاريخاً من العلم والمعرفة والجمال، ولم تصنع الكوة مكانتها باتساعها أو بكثرة سكانها، وإنما بما قدمته للسودان من عقول ومواهب حملت اسمها إلى فضاءات الشعر والرواية والغناء، لتؤكد أن المدن لا تُخلد بمساحاتها، وإنما بما تمنحه من إنسان قادر على صناعة الأثر.
ارتبط تاريخ الكوة منذ وقت مبكر بالتعليم والتكوين الثقافي، فقد كانت المدارس والخلاوي والمساجد منارات للمعرفة وبناء الوعي، وفي مجتمع عرف قيمة العلم واحترام الكلمة نشأت علاقة خاصة بين الإنسان والمكان، فأصبح الإبداع جزءاً من هوية المدينة. وقد أسهم موقعها على ضفاف النيل الأبيض في تشكيل وجدان أهلها، فالنهر لم يكن مجرد معلم جغرافي، بل كان ذاكرة حية ومصدراً للإلهام، ومنه استمد أبناء الكوة شيئاً من صفاء الروح وجمال التعبير.
وفي سجل الإبداع السوداني تبرز الكوة بوصفها مدينة أنجبت أصواتاً متعددة في الشعر والسرد والغناء، وهذه النماذج التي نتوقف عندها ليست حصراً لعطاء المدينة، وإنما إشارات إلى تنوع مواهبها، وإلى قدرة بيئتها على احتضان المبدعين وصناعة التجارب التي تجاوزت حدود المكان إلى فضاء الوطن.
في الشعر يبرز عبدالله إبراهيم موسى شابو، أحد الأصوات المهمة في مسيرة الشعر السوداني الحديث، فقد حملت تجربته روح التجديد، وانشغلت بالإنسان والذاكرة وأسئلة الوجود، وجاء شعره حافلاً بالصورة الشعرية والرؤية الفكرية. ومن دواوينه الشعرية “حاطب ليل”، و”شجر الحب الطيب”، و”أغنية لإنسان القرن الحادي والعشرين”، و”شاعر يحدث الناس”، وهي أعمال رسخت مكانته بين شعراء الحداثة، وأكدت أن الكوة كانت بيئة حاضنة للكلمة المبدعة.
ويأتي الشاعر والدبلوماسي عمر عبدالماجد ليقدم تجربة أخرى من تجارب الكوة الثقافية، فقد جمع بين الحس الشعري والتجربة الدبلوماسية، فكانت قصيدته مفتوحة على الوطن والإنسان والعالم، وظلت أسئلتها مرتبطة بالهوية والانتماء وجمال الحياة. ومن دواوينه الشعرية “أسرار تمبكتو القديمة”، و”مهرجان العصافير والأراك”، و”لم يبق إلا الاعتراف”، وهي أعمال تعكس تجربة شاعر امتلك لغة خاصة ورؤية تتجاوز حدود المكان دون أن تنفصل عن جذورها السودانية.
وفي مجال الرواية والسرد يبرز عباس علي عبود، الذي استطاع أن يقدم تجربة متميزة في الرواية السودانية المعاصرة، مستلهماً التاريخ والذاكرة والأسطورة والموروث الشعبي. فقد جعل من المكان السوداني مادة للحكاية، ومن الإنسان محوراً للسرد، وحضر الحنين إلى الجذور في كثير من أعماله. ومن أبرز رواياته “طقوس الرحيل”، و”مرافئ السراب”، و”قبس من مدارات الحنين”، و”أساطير الأنهار”، و”السارية”، و”مفازة الإياب”، و”لسان الرمل المبين”، و”طير الإشراق”، كما أصدر المجموعة القصصية “صهيل الفجر الغامض”، وكتب للمسرح، وله ديوان شعري بعنوان “شظايا الأحلام”.
ولم يكن الغناء بعيداً عن هذا الحضور الثقافي، فقد قدمت الكوة الفنانة زينب سعد نموذجاً للإبداع الصوتي، وارتبط اسمها بتجربة “ثنائي النغم” التي تركت أثراً واضحاً في ذاكرة الأغنية السودانية. وقدمت مع شريكها الفني أعمالاً ظلت قريبة من وجدان المستمعين، ومن بينها أغنية “وين عهدك ياظالم”، لتؤكد أن الغناء، مثل الشعر والرواية، قادر على حفظ الذاكرة وصناعة الجمال ونقل الإحساس بين الأجيال.
إن اجتماع هذه التجارب في مدينة واحدة يكشف عن خصوصية الكوة ودورها في الحياة الثقافية السودانية، فهي لم تكن مجرد مكان للعيش، وإنما كانت بيئة صنعت علاقة الإنسان بالعلم والجمال والكلمة. ومن هنا فإن الحديث عن الكوة هو حديث عن مدينة آمنت بأن المعرفة تصنع المستقبل، وأن الموهبة تحتاج إلى بيئة تحتضنها وتمنحها القدرة على الوصول.
ولأن الكوة لا تُعرف بالكلمات وحدها، فإن دعوتنا عبر هذه المساحة مفتوحة لكل من يبحث عن الجمال والتاريخ ودفء الإنسان لزيارة هذه المدينة التي تجاور النهر وتحفظ أسرار المكان. هناك تستقبلك الجميزات الوارفة، وتعانق الجروف صفحة النيل، وتزين النخيل الضفاف، ويحفظ المرسى حكايات العابرين، ويرسم الغروب كل مساء لوحة لا تتكرر، ويكتمل المشهد بالسمك الطازج وهدوء الطبيعة وطيبة الناس. وبين كل ذلك تسمع دندنة الإبداع في حديث الأهالي وذكرياتهم، وكأن المكان يروي بنفسه قصة الشعراء والكتاب والفنانين الذين خرجوا منه.
وخذ معك بعض الأغراض الإضافية، فقد يجملك سحر الكوة إلى إطالة البقاء، وربما تؤجل موعد العودة أكثر من مرة، وإياك أن تحترف الصمت، فأهل المدينة يحبون الحكي ويألفون الضيف، ويجعلونه واحداً منهم منذ اللحظة الأولى. تلك هي الكوة، مدينة تجاور النهر وتُنجب المبدعين، وتبقى في ذاكرة السودان حكاية مكان تحول إلى قصيدة.




