وداد الماحي تكتب في دوزنة أحاسيس: دموع الرفاق ورسالة المرفأ الأخير.. الموت يغيب العميد عثمان بشير بـ “الدبة”

دوزنة أحاسيس: دموع الرفاق ورسالة المرفأ الأخير.. الموت يغيب العميد عثمان بشير بـ “الدبة”
بقلم: وداد الماحي
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعى قامة عسكرية وإنسانية سامية، العميد معاش عثمان بشير حامد، الذي انتقل إلى جوار ربه يوم الجمعة ١٠ يوليو، بعد صراع صابر ومحتسب مع المرض بمسقط رأسه ومنطقته مدينة “الدبة”، تاركاً خلفه سيرة عطرة وإرثاً باذخاً من البذل والعطاء الوطني.
شكل الفقيد الراحل نموذجاً حياً للجندية السودانية في أبهى صور انضباطها وشجاعتها، حيث أمضى عقوداً من عمره في خدمة الوطن من خلال بوابته الشريفة بالقوات المسلحة في سلاح الإشارة، مدافعاً عن شرف العسكرية السودانية ومؤسساتها السيادية بصلابة الحراس الأوفياء. وامتدت مسيرة عطائه لتشمل مجالات الخدمة العامة؛ إذ تم استدعاؤه من المعاش ليشغل منصب نائب الأستاذ عمر جماع في العمل الإداري بديوان الحكم الاتحادي، حيث أدارا معاً بدقة وحنكة أدق الملفات الحيوية التي مرت بها الولايات.
لكن الملمح الأبهى والأكثر خلوداً في هذه المسيرة، لم يكن مجرد الأداء الوظيفي الجاف، بل هو ذلك النموذج الاستثنائي في التناغم والترابط الإنساني الذي نشأ بين الرجلين؛ إذ تحولت علاقة العمل الرسمية بين القائد ونائبه إلى رابطة إخاء متجذرة، تفوق في عمقها صلات الدم، وتجلت أسمى معانيها في تلك الرسائل المتبادلة التي سطرت فصلاً نادراً من فصول الوفاء في زمن الغربة والمرض.
ففي غمرة صراعه الأخير مع العلة، ومستنداً على إرث عريض من الود، بعث الفقيد برسالة وداعية مؤثرة إلى رفيقه الأستاذ عمر جماع؛ رسالةٌ خطّها بمداد الروح وفاضت بالحب الصادق، يودع فيها رفيق دربه بكلمات تنبض بالنقاوة، متمنياً ومبتهلاً إلى الله أن يجمعهما مجدداً في الفردوس الأعلى من الجنة. ولم تقف حدود هذا النبل عند هذا الحد، بل سارع الأستاذ عمر—من مهجره وغربته وبتاريخ ٢٨ يونيو—بالرد عليها برسالة صوتية تفيض إيماناً ويقيناً، أرسلها لرفيق عمره وهو يعاني سكرات المرض ليزيده ثباتاً وتخفيفاً، متحدثاً بقلب مكلوم عن أخلاقه الجمة وبشاشته المعهودة وحبه للناس، ومسترجعاً عمق تلك العلاقة الاستثنائية التي امتدت لتجعل من الراحل محباً وفياً لأولاد الأستاذ عمر كأبٍ ثانٍ لهم، وحاملاً عبرها أصدق تحاياه لضباط القوات المسلحة البواسل الذين عرفهم وتشرف بهم عبر بوابته.
وفي ختام تلك الرسالة الصوتية، عاهده ووعده بقطع مسافات البُعد وتسجيل زيارة خاصة له فور عودته من الاغتراب، ولكن إرادة الله ولطفه كانت سابقة لكل الأماني؛ فقبل أن تكتحل الأعين باللقاء، صعدت الروح البارة إلى بارئها في العاشر من يوليو، لتطوي صفحة اللقاء الدنياوي وتفتح كتاب الذكرى والوفاء.
ولعل أصدق ما يترجم عمق هذا الفقد، هو ذلك المشهد الإنساني المهيب الذي اهتزت له القلوب عند سماع نبأ الفاجعة؛ حين انهمرت دموع الأستاذ عمر جماع حزناً على نائبه ورفيق خطاه، ليرى الجميع لأول مرة دموع رجلٍ صلبٍ تفيض لوعةً وفراقاً على أخٍ لم تلده أمه، لتظل تلك الدموع وتلك الرسائل المتبادلة شاهداً حياً على أن روابط الوفاء الحقيقية وسنوات الكفاح المشترك تتجاوز حدود الغياب والرحيل.
وصادق العزاء والمواساة للأسرة الكريمة، وعموم أهله بالولاية الشمالية ومدينة الدبة وقرية “جِرا”، وكل زملائه بالقوات المسلحة السودانية، ونسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وغفرانه، وأن يجعل ما مر به من مرض كفارةً له، وأن يلهمهم جميعاً وصديقه عمر جماع الصبر وحسن العزاء.
إنا لله وإنا إليه راجعون








