رأي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في “صدى المدى”: رسالة من البروف بدرالدين عمر الحاج موسى: الكوة.. ذاكرة المكان وصدى المبدعين

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في “صدى المدى”:
رسالة من البروف بدرالدين عمر الحاج موسى: الكوة.. ذاكرة المكان وصدى المبدعين

وصلتني رسالة كريمة من الأخ العزيز البروف بدرالدين عمر الحاج موسى، المقيم بالولايات المتحدة الأمريكية، تعقيباً على مقالي السابق بعنوان “الكوة.. الجنة التي تجاور النهر وتنجب المبدعين”. وقد استهل رسالته بكلمات مفعمة بالحنين عبّرت عن شوقه إلينا، وإلى الأهل والناس، وإلى الوطن، فبدت منذ سطورها الأولى شهادة وفاء للمكان قبل أن تكون تعقيباً على مقال. ورأيت أن أنشرها لما تحمله من قراءة عميقة، وما تختزنه من ذكريات صادقة عن الكوة وأبنائها، مع الاكتفاء في هذه الحلقة بما أورده عن الشاعر والدبلوماسي عمر عبد الماجد، على أن أعود في مقال لاحق للحديث عن البروف بدر نفسه، بوصفه واحداً من القامات العلمية والأدبية التي أنجبتها الكوة.

نص الرسالة:

أخي الحبيب الدكتور الحاج…

ما شاء الله، ضاعت مني، وللأسف، سنوات طويلة أثقلها الشوق إليكم، وإلى الناس، وإلى الوطن. وكنت أتحسس المسافات كل يوم، لعلني أكون بينكم، ولو بمشاعري ووجداني فقط، فما غاب الوطن عن القلب يوماً، ولا غاب أهله عن الخاطر.

أرجع إلى مقالك فأجدك، كعادتك، قد أحسنت الاختيار، موضوعاً وربطاً وشواهد وشخصيات. لم يكن المقال مجرد سرد لأسماء، وإنما محاولة صادقة لالتقاط روح المكان، وروح النهر، وروح الناس الذين صنعوا من البساطة إبداعاً ومن الذاكرة تاريخاً.

عندما يعجبني ما أقرأ أحاول أن ألج عقل الكاتب، وأتلمس دوافع ما كتب وما آثر أن يتركه بين السطور. وسبيلي إلى ذلك التناص والتداعي، فهما من أصدق مفاتيح القراءة، ومن أمتع طرائق اكتشاف الخيط الذي يجمع بين النصوص والأفكار. لذلك وقفت طويلاً عند عنوان “صدى المدى”، فرأيته عنواناً يختزن معاني الرجع والحنين، ويعيد القارئ إلى الأفق الأول الذي خرجت منه الحكايات.

وقادني ذلك إلى نص إنجليزي بعنوان “Echoes of the Horizon”، فوجدت فيه حديثاً عن الطريق، والليل، والحنين، والأغنيات التي تخترق القلوب رغم ضجيج العالم. وخطر لي أن الدار التي يتحدث عنها النص ليست سوى تلك القرية الوادعة التي أيقظت شاعرية أبنائها. فالكوة ليست مجرد نقطة على الخريطة، ولا مجرد ضفاف للنيل، وإنما حالة وجدانية، وصوت يعود إلينا كلما ابتعدنا، ورائحة تسبقنا إلى الذاكرة قبل أن نبلغ المكان.

عرفت عمر عبد الماجد من خلال مرثيته لصديقه السفير عمر شونة. وقد عملت سنوات في وزارة الخارجية، وعرفت خلالها كثيراً من السفراء، غير أن عمر شونة ظل من أكثرهم حضوراً في الذاكرة. زرته في برلين في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، قبل توحيد ألمانيا، فوجدت فيه الدبلوماسي الوقور، والإنسان الكريم، الذي يتحدث عن السودان بمحبة صادقة، ويحمل وطنه في قلبه أينما حل. ترك في نفسي أثراً عميقاً رغم قصر اللقاء، ثم مضى إلى رحاب ربه، وبقيت سيرته العطرة في نفوس من عرفوه.

وعندما قرأت مرثية عمر عبد الماجد فيه، أدركت أن الصداقة التي جمعتهما كانت صداقة قيم ومبادئ، وأن القصيدة لم تكن مجرد رثاء، بل وثيقة وفاء لرجل نبيل. وما زلت أذكر مطلعها:

“نم هانئاً فالقوم بعدك ما دروا
بعد المسافة بين قول الحق والملق الرخيص.”

هذه الأبيات وحدها تكشف قيمة المرثي، كما تكشف معدن الشاعر الذي كتبها، فالكلمة الصادقة لا يكتبها إلا من جعل الصدق منهجاً في حياته.

أخي د. الحاج… لقد أيقظ مقالك في داخلي طفولة كاملة، وأيقظ أسماء ووجوهاً وأسئلة قديمة عن سر هذا المكان الذي ينجب المبدعين جيلاً بعد جيل. أهو النيل؟ أم المدارس؟ أم الناس؟ أم ذلك المزيج الفريد الذي لا يتكرر؟ لا أملك جواباً، لكنني أعلم أن للكوة ديناً في أعناق أبنائها جميعاً.

تحياتي لك، ودمت وفياً للكلمة وللأرض.
اخوك :
البروف بدرالدين عمر الحاج موسى
الولايات المتحدة الأمريكية

انتهى نص الرسالة

أغلقت الرسالة وأنا على يقين بأن الكوة ليست مدينة تُكتب عنها المقالات فحسب، بل وطن صغير يسكن أبناءه أينما ارتحلوا. ورسالة البروف بدرالدين عمر الحاج موسى لم تكن مجرد تعليق على مقال، وإنما كانت رسالة محبة إلى الناس، وإلى المكان، وإلى السودان الذي يظل حاضراً في الذاكرة مهما ابتعدت المسافات.

وسيكون للبروف بدرالدين عمر الحاج موسى حديث آخر في هذا العمود، فهو واحد من القامات العلمية والأدبية والدبلوماسية التي رفعت اسم الكوة والسودان في المحافل الأكاديمية والثقافية، وما أحوجنا إلى أن نوثق سير هؤلاء، فهم جزء أصيل من ذاكرة الوطن، وصدى ممتد لمداه.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى