د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»: هندسة نظم الحكم بولاية النيل الأبيض.. حتى لا تُضيّع الفكرة في خضم الأحداث

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»:
هندسة نظم الحكم بولاية النيل الأبيض.. حتى لا تُضيّع الفكرة في خضم الأحداث
من بين الموضوعات التي استوقفتني خلال اليومين الماضيين، في سياق الاخبار، التوجيه الصادر من مجلس حكومة ولاية النيل الأبيض رقم (29) لسنة 2026م بشأن مراجعة هياكل ونظم الحكم بالولاية، والدعوة المرتبطة به لإعادة النظر في المرسوم الولائي رقم (1) لسنة 2018م، والخاص بتحديد مسميات الوزارات واختصاصاتها، بما يحقق وضوح الأدوار والمسؤوليات داخل الجهاز التنفيذي، فقد مضت سنوات كافية على هذا الإطار التنظيمي تستدعي النظر في مدى ملاءمته للواقع المتغير، فمراجعة نظم الحكم ليست مسألة إدارية مرتبطة بالهياكل والمسميات فقط، وإنما هي قضية تمس حياة المواطنين، لأنها ترتبط بالطريقة التي تصل بها الخدمات إلى الناس، وكيفية إنجاز معاملاتهم، ومدى قدرة مؤسسات الدولة على أداء دورها بكفاءة وفاعلية.
إن هياكل الحكم هي الأدوات التي تحمل خدمات الدولة إلى المواطنين، وكما تحتاج الأدوات التي يستخدمها الإنسان إلى صيانة وتطوير حتى تؤدي وظيفتها بصورة جيدة، فإن نظم الحكم تحتاج كذلك إلى مراجعة وإعادة هندسة كلما تغيرت الظروف وتطورت الاحتياجات، فالهياكل ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لتحقيق أهداف الدولة وتسهيل حياة الناس، ولذلك فإن تطويرها لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تغييراً إدارياً مجرداً، وإنما باعتباره سعياً لتحسين الخدمة وتقريبها من المواطن، وجعل الإجراءات أكثر سهولة، والمسؤوليات أكثر وضوحاً.
ويتفق هذا التوجه مع الاتجاهات الحديثة في الإدارة العامة التي تقوم على مفهوم إعادة هندسة المؤسسات (Institutional Re-engineering)، والذي يعني إعادة تصميم الهياكل والإجراءات بما يجعل المؤسسات أكثر قدرة على تحقيق أهدافها، كما يرتبط بمفهوم الحوكمة الرشيدة (Good Governance) القائم على وضوح الاختصاصات، وكفاءة الأداء، وتقريب القرار من المواطن، فالمؤسسات الناجحة ليست تلك التي تحافظ على أشكالها القديمة، وإنما تلك التي تراجع أدواتها باستمرار حتى تظل قادرة على التعامل مع المتغيرات.
ومن هنا تأتي أهمية اللجنة التي تكونت لمراجعة نظم الحكم بالولاية، برئاسة البروفيسور صلاح محمد إبراهيم، وعضوية عدد من الكفاءات الفنية والمهنية، فمثل هذه القضايا تحتاج إلى أهل الاختصاص، لأن مراجعة الحكم ليست مجرد تعديل مسميات، وإنما هي دراسة للعلاقة بين السلطات والاختصاصات والمستويات المختلفة للحكم، وفي تقديري أن هذه الخطوة تمثل فرصة مهمة لفتح نقاش واسع يشارك فيه المختصون والجامعات والمجتمع، حتى تخرج الرؤية النهائية معبرة عن واقع الولاية واحتياجات مواطنيها.
وتكتسب مسألة النطاق الجغرافي للمحليات أهمية خاصة في أي مراجعة شاملة لنظم الحكم، فالجغرافيا الإدارية ليست مجرد حدود على الخريطة، وإنما هي علاقة مباشرة بين المواطن والخدمة، وهو ما يعرف في أدبيات التخطيط بمفهوم الملاءمة الجغرافية للخدمة (Geographical Accessibility)، أي أن تكون المؤسسات والخدمات مصممة بطريقة تقلل المشقة والزمن والتكلفة على المواطنين، ولذلك فإن مراجعة المحليات والوحدات الإدارية ينبغي أن تراعي حركة السكان وطبيعة المناطق ووسائل الوصول إلى الخدمات.
ولعل مثال الكوة والقطينة يوضح أهمية هذه المسألة، فمحلية القطينة تقع في الجزء الشمالي من الولاية وتضم الكوة، وقد يحتاج مواطن من الكوة إلى التحرك إلى مدينة القطينة لإنجاز إجراء مرتبط برئاسة المحلية، ثم العودة في الاتجاه نفسه مرة أخرى نحو ربك لاستكمال الدورة المستندية في رئاسة الولاية، وهذا المثال ليس حكماً على وضع قائم، ولا اعتراضاً على أي مؤسسة، وإنما هو محاولة لإثارة النقاش حول أهمية أن تكون هندسة الاختصاصات والصلاحيات والنطاق الجغرافي أقرب إلى المواطن، وأكثر انسجاماً مع واقع الناس وحركتهم اليومية.
إن تطوير نظم الحكم لا يعني بالضرورة زيادة مستويات الإدارة أو استحداث هياكل جديدة، وإنما قد يكون في كثير من الأحيان عبر تبسيط الإجراءات، وتفويض الصلاحيات، وتقوية الوحدات الأقرب للمواطن، فالحكم المحلي الناجح هو الذي يمنح المجتمعات القدرة على المشاركة، ويجعل المسؤولية واضحة، ويقلل المسافات بين المواطن ومؤسسات الدولة، لأن جوهر الإدارة العامة هو أن يشعر المواطن بأن الدولة قريبة منه، تستمع إلى احتياجاته، وتستجيب لقضاياه بصورة أكثر سرعة وكفاءة.
إن هذه المساهمة لا تقدم حكماً نهائياً على تجربة أو رؤية مكتملة، وإنما هي محاولة لفتح باب النقاش حول موضوع حيوي يرتبط بمستقبل الإدارة والخدمة العامة في ولاية النيل الأبيض، انطلاقاً من الانتماء لهذه الولاية، ومن الاهتمام بقضايا الحكم والحوكمة والتخطيط الاستراتيجي، فالفرصة متاحة أمام الولاية لتقديم نموذج متقدم في هندسة نظم الحكم، يستند إلى خبرات المختصين، وصوت المجتمع، وتجارب المؤسسات العلمية، لأن تطوير أدوات الحكم هو في جوهره تطوير لقدرة الدولة على خدمة مواطنيها وتحقيق تطلعاتهم، وحتى لا تُضيّع هذه الفكرة المهمة في خضم الأحداث، فإن استمرار النقاش حولها يمثل خطوة ضرورية نحو بناء إدارة أكثر كفاءة، وحكماً أقرب إلى الناس، ومستقبلاً أكثر استقراراً للولاية.






