رأي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»: على هامش زيارة البروفيسور محمد حسين سليمان «أبو صالح» ونخبة من العلماء إلى ولاية النيل الأبيض.. التخطيط الاستراتيجي بوابة الأمم إلى المستقبل

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»: على هامش زيارة البروفيسور محمد حسين سليمان «أبو صالح» ونخبة من العلماء إلى ولاية النيل الأبيض.. التخطيط الاستراتيجي بوابة الأمم إلى المستقبل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سرَّني كثيراً ما تناهى إليَّ من أخبار الحراك العلمي والعملي الذي تشهده ولاية النيل الأبيض، من خلال الزيارة التي يقوم بها البروفيسور محمد حسين سليمان «أبو صالح» هذه الأيام للولاية، برفقة نخبة من العلماء والخبراء والباحثين في مجال التخطيط الاستراتيجي، وهي زيارة تتجاوز حدود المناسبة، لأنها تحمل رسالة مهمة مفادها أن بناء المستقبل لا يبدأ فقط من إدارة الحاضر، وإنما من امتلاك الرؤية والقدرة على قراءة المتغيرات وصناعة الخيارات، فقد أصبح التخطيط الاستراتيجي من أهم علوم المستقبل، ومن الأدوات التي تعتمد عليها الأمم في بناء الدول وإدارة الأزمات وتحقيق النهضة، لأن الدول لا تنهض بالموارد وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى خطط وبرامج ونتائج.

وتزداد أهمية هذا الحراك لأنه يأتي إلى ولاية النيل الأبيض، هذه الولاية التي ارتبط اسمها عبر تاريخها بالعلم والعلماء، وظلت حاضنة للمعرفة والمؤسسات التعليمية والثقافية، ولذلك فإن حضور هذه النخبة العلمية يمثل جسراً بين الفكر والتطبيق، وبين الخبرة الأكاديمية واحتياجات المجتمع، فالولايات السودانية تحتاج اليوم إلى الاستفادة من العلماء والخبراء والباحثين في تصميم الرؤى وتحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ، لأن نجاح الخطط لا يقاس بجمال صياغتها، وإنما بقدرتها على تحديد الأولويات، وحسن استخدام الموارد، ومتابعة الأداء، وتحقيق النتائج المرجوة.

ولعل من أهم ما تؤكده هذه الزيارة قيمة العلم المتخصص والخبرة المتراكمة في بناء المؤسسات، فقد أصبح البروفيسور محمد حسين سليمان «أبو صالح» نموذجاً للعالم الذي يجمع بين المعرفة الأكاديمية والاهتمام بقضايا الإدارة والبناء المؤسسي، فالتخطيط الاستراتيجي لم يعد مجرد أوراق تُعد، وإنما أصبح منهجاً يساعد على فهم التحولات الكبرى وصناعة القرارات المناسبة، والعلماء والخبراء يمنحون المجتمعات القدرة على استيعاب المتغيرات ورسم المسارات التي تقود إلى الاستقرار والتنمية، ولذلك فإن الاستثمار في العقول هو استثمار حقيقي في مستقبل الأوطان.

لقد أصبح التخطيط الاستراتيجي علماً متكاملاً لإدارة المستقبل، يقوم على استشراف الاحتمالات، وقراءة الاتجاهات، والاستعداد للتحديات قبل وقوعها، كما يعتمد على بناء السيناريوهات المستقبلية، وهي عملية تقوم على تصور مسارات متعددة يمكن أن يحملها المستقبل، والاستعداد لعدة احتمالات بدلاً من انتظار مسار واحد قد تفرضه الظروف، كما يعتمد على اتخاذ القرار المبني على الأدلة، أي القرار الذي يستند إلى معلومات دقيقة ومعارف موثوقة، وعلى إعداد البدائل واختيار الحلول الأكثر فاعلية، إلى جانب ضمان استمرارية أعمال المؤسسات والمحافظة على قدرتها على أداء مهامها في الظروف الصعبة، وهذه الأدوات تمنح المؤسسات قدرة أكبر على الانتقال من التعامل مع الأحداث بعد وقوعها إلى الاستعداد لها وصناعة خياراتها.

وقد أثبتت التجارب الحديثة أن قيمة التخطيط تزداد في أوقات الأزمات، لأن الدول التي تواجه ظروفاً استثنائية تحتاج إلى أكثر من إدارة اللحظة، فهي تحتاج إلى رؤية بعيدة المدى تجمع بين المرونة والانضباط، وبين سرعة الاستجابة وحسن التقدير، فالمستقبل لا يُترك للصدفة، وإنما يُبنى بالمعرفة والعمل المنظم، ولهذا فإن المجتمعات التي تمتلك القدرة على التفكير الاستراتيجي تكون أكثر قدرة على تجاوز الصعوبات واستعادة عافيتها.

ومن باب الطرفة التي تحمل في داخلها شيئاً من الحقيقة، يمكن القول إن ولاية النيل الأبيض عرفت بعض ملامح قراءة الواقع قبل أن تعرف هذه المفاهيم مصطلحاتها العلمية الحديثة، من خلال ظاهرة اجتماعية لطيفة أطلق عليها والٍ أسبق اسم «الكباتن» (Captains)، وهو وصف لقيادات اجتماعية امتازت بقدرتها على قراءة المواقف وفهم الظروف وتحليل المتغيرات ووضع السيناريوهات (Scenarios)، تماماً كما يفعل كابتن الفريق المحترف الذي يقرأ حركة المباراة ويفهم مجرياتها ويوجه زملاءه نحو تحقيق الهدف، وقد حملت هذه القيادات بعض مهارات التخطيط الاستراتيجي بالفطرة، لا بالمنهجية العلمية أو الخلفية الأكاديمية، فقد اكتسبت هذه القدرات من تراكم التجارب والاحتكاك اليومي بقضايا المجتمع، بما جعلها تمثل جانباً من رأس المال البشري (Human Capital) الذي تختزنه المجتمعات، وهذه الظاهرة تستحق أن تجد حظها من الدراسة والتحليل في سياقها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بوصفها حالة تعكس كيفية تشكل الخبرة المجتمعية وتطورها، ومدى إمكانية الاستفادة من التجارب المحلية في فهم البيئة المحيطة وبناء رؤى أكثر ارتباطاً بالواقع.

وفي ختام هذه الإطلالة، لا بد من الإشادة بكل الذين أسهموا في تنظيم هذه الزيارة وترتيب فعالياتها من قيادات ومؤسسات وأجهزة تنفيذية، لأن المبادرات العلمية تحتاج إلى بيئة مؤسسية تشجع الحوار وتبادل الخبرات، كما يستحق مجتمع النيل الأبيض التحية والتقدير على أصالته وحفاوة استقباله واحتفائه بالعلم والعلماء، فقد ظلت هذه الولاية تمنح المعرفة مكانتها، وتفتح أبوابها لكل جهد يسعى إلى البناء والتطوير، وإن الرسالة الأعمق لهذا الحراك أن السودان لا يحتاج فقط إلى إدارة تحدياته الراهنة، وإنما يحتاج إلى التخطيط لمستقبله، وأن الاستثمار في العقول والخبرات هو الطريق نحو وطن أكثر قوة ومنعة وقدرة على صناعة المستقبل.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى