رأي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»: الدويم.. ريحانة بحر ابيض، عبق التاريخ وعراقة الماضي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»:
الدويم.. ريحانة بحر ابيض، عبق التاريخ وعراقة الماضي.
ــــــــــــــــــــ
اعتدنا في «صدى المدى» أن نعود بين الفينة والأخرى إلى رحاب المدن الوارفة، نستظل بظلالها، ونستنشق عبق تاريخها، ونقف عند أعلامها ومعالمها التي صنعت وجدان السودان، فالأوطان لا تحفظها الخرائط وحدها، وإنما تحفظها المدن التي أنجبت الرجال، وشيدت المدارس، وأوقدت مصابيح المعرفة، وفتحت أبواب الإبداع، واليوم نمضي إلى الدويم، المدينة التي استقرت على ضفاف النيل الأبيض في سكينة الواثق، حتى غدت اسماً لا يُستدعى إلا وتتبعه صور العلم، وعبق التاريخ، وجمال الطبيعة، وكرم الإنسان، فهي ليست مدينة تُزار فحسب، بل تجربة تُعاش، وذاكرة تظل مقيمة في القلب بعد أن تغادرها الأقدام.

وأنا ابن الكوة، من أبناء هذا النيل الأبيض الذي ربانا على عشق الماء والخضرة، وعلى صحبة الجميز والنخيل، وعلى الإصغاء إلى حكايات الضفاف وهي تروي سيرة المكان، تعلمت أن المدن التي تنبت على ضفاف الأنهار لا تمنح أبناءها الماء وحده، وإنما تمنحهم رهافة الإحساس، وسعة الأفق، وحب الجمال، ولذلك كلما حللت بالدويم شعرت أنني ألتقي وجهاً آخر من وجوه هذا النيل الكريم، وأقرأ صفحة أخرى من كتابه المفتوح، ففيها من الطمأنينة ما يريح الروح، ومن عبق التاريخ ما يملأ الوجدان، ومن صفاء المكان ما يجعل الزائر يدرك أن الجمال قد يكون أبلغ وسائل التربية، وأن المدن العريقة لا تتحدث عن نفسها، بل تتحدث عنها آثارها وأهلها وسيرتها.

ومن هذا الجمال تبدأ الحكاية، فالدويم لم تكن يوماً محطة عابرة في تاريخ السودان، بل كانت عبر الحقب المختلفة مركزاً للحكم والإدارة، وملتقى للتجارة، ومنارة للثقافة، حتى غدت في العهد الثنائي عاصمة لمديرية النيل الأبيض، فاجتمع فيها حسن الموقع مع حيوية المجتمع، وتشكلت فيها شخصية مدينة تعرف كيف تجمع بين هيبة المؤسسات ودفء الناس، ثم جاء ميلاد بخت الرضا ليمنح الدويم بعداً آخر، فلم تعد مدينة الإدارة وحدها، وإنما أصبحت مدينة التربية التي خرجت أجيال المعلمين، ورسخت فلسفة تعليمية تركت أثرها في السودان كله، فكل بيت سوداني يكاد يكون مديناً لبخت الرضا بمعلم أو تلميذ أو كتاب أو فكرة.

ولأن العلم حين يستقر في مدينة يوقظ فيها ملكة الإبداع، فقد أنجبت الدويم وألهمت أسماءً كبيرة في الفكر والأدب والسياسة، وفي مقدمتهم الشاعر ورجل الدولة محمد أحمد المحجوب، الذي حمل إلى الشعر رهافة الحس، وإلى السياسة سعة الثقافة، فكان واحداً من أبناء الدويم الذين أثبتوا أن المعرفة لا تعرف حدوداً. وليس غريباً أن تفيض المدينة بهذا الجمال، فالنيل حين يجاور المدارس، وتصافح الأشجار دفاتر التلاميذ، يصبح الشعر أقرب إلى القلب، ولذلك ظل الشعراء يجعلون العيون رمزاً للجمال، لأن الجمال الحقيقي يسكن النظرة قبل الملامح، وتسكنه الروح قبل الصورة، وهكذا هي الدويم، مدينة إذا نظرت إليها بعين التاريخ رأيت الوقار، وإذا نظرت إليها بعين الثقافة رأيت الإشراق، وإذا نظرت إليها بعين المحبة رأيت السودان في أجمل صوره.

ولعل سر الدويم أنها لم تجعل من تاريخها متحفاً للماضي، بل حولته إلى طاقة تتجدد مع الأجيال، فالأماكن الكبيرة ليست تلك التي يطول عمر عمرانها فحسب، وإنما التي يظل أثرها حياً في الضمير الوطني، ولذلك بقيت بخت الرضا رمزاً، وبقيت الدويم اسماً يستدعي الاحترام كلما ذُكر التعليم، أو الإدارة الرشيدة، أو الثقافة، أو الإبداع، فالمدينة التي عرفت كيف تصنع الإنسان، تعرف أيضاً كيف تحافظ على مكانتها، وكيف تظل حاضرة في ذاكرة الوطن، مهما تبدلت الأزمنة وتعاقبت الأجيال.

وهكذا تمضي الدويم في مسيرتها، لا يكبرها الزمن، بل يزيدها حكمة ووقاراً، ويضيف إلى صفحاتها سطوراً جديدة من المجد، فهي مدينة إذا مررت بها رأيت النيل يبتسم لضفافه، ورأيت التاريخ يمشي في أسواقها، ورأيت العلم يلوح من مدارسها، ورأيت الإنسان السوداني في أجمل تجلياته، وتحيةً لأهل الدويم الذين حملوا مدينتهم في أخلاقهم قبل أسمائهم، وحفظوا لها مكانتها في وجدان الوطن، فبقيت الدويم مدينةً لا تُختزل في موقع، ولا تُقاس بمساحة، وإنما تُعرف بما قدمته للسودان من علم، وثقافة، وإدارة، وجمال، وستظل كذلك، مدينةً كلما مرَّ بها الزمن ازدادت بهاءً ووقاراً.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى