رأي

لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: الفي الدبّة، بشوف البتدبّا

بسم الله الرحمن الرحيم
١ سبتمبر ٢٠٢٦م
الفي الدبّة، بشوف البتدبّا
لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد
الدبّة الأولى في صدر العنوان هي مدينة الوادي التاريخية العريقة، التي أطلق عليها السيد إسماعيل الأزهري اسم «الدبّة»، وهي واحدة من أعيان المدائن السودانية، والحواضر الراسخة الجذور في غور التاريخ الإنساني، لدرجة تصنيفها من أقدم المستوطنات البشرية، منذ نحو خمسة عشر قرنًا من الزمان، بحسب اكتشافات البعثة الأثرية الهولندية. وعليها شواهد من مدافن الغابرين من الأمم في العفاض، ومنصور كتي، وكورتي.
فيها تقاطعات الطرق والدروب القديمة التي فَجَّها الطارقون والتجار، ابتغاءَ فضل الرزق. وبها نُصِبَ غردون قبل أن يقطف المهدي رأسه في القصر، وكاد حميدتي أن يلحق به، لولا فراره المشين من بين وعيده بأنه لن يخرج من القصر. ومنها انحرف الدفتردار ليرتكب حملاته الانتقامية، التي أعاد تمثيلها الجنجويد ببطشهم وقسوتهم على عوام الناس.
أما «البتدبّا»، بمعنى من يتقاصر متخفيًا بغرض الاقتراب من الهدف ليغدر به، ولا تراه عين الرقيب، وهو ما ظل يفعله الجنجويد خلال سني حربهم على السودان.
حيث تم استهداف الدبّة من قبل الجنجويد، ووجّهت آلتهم الإعلامية سنان العداوة والاستهداف للدبّة بوجه خاص، وطفق عبد المنعم الربيع، وعباس، والجعيزي، ورهط المتحدثين منهم، يحرّضون المتحركات، وتوعّدها البعاتي شخصيًا، هي ودنقلا، بأنه قادم، قادم لا محالة.
كل هذا، والمدينة العامرة بسواعد أهلها، المستودعة في حرز جيش وطنها، تهزأ بالأوغاد، وتتندر على وقاحتهم وجهلهم بحقائق الأشياء. وكيف لا، وقد كانوا يتفسحون في مجالس الولايات وأمهات المدن بغفلة وغدر، ثم بار مكرهم تحت ضربات أبناء السودان، وتمت بعثرة أجسادهم النتنة على سعة مسرح العمليات. وما تبقى منهم الآن لائذٌ بالتراجعات، يتوارى تحت الأشجار من سوء بشراه، وتتقاذفهم شهب القوات الجوية، وتنتاشهم سهام الليل من القوات الخاصة.
تلاحقهم ولاويل النساء الآسيات على الفقد، حيث خلت الديار والفِرْقان من أخيلة الشباب الذين استهلكهم حميدتي بلا شفقة، بينما يحتفظ ببنيه بين أحضانه، وينشر صوره المستفزة في رياش وفخامة.
والدبّة، من علوها وإشرافها على القيعان والسهول تحتها، ترى المقتربات بعيون تتعبد الله بالسهر، وترصد كل متحرك مشبوه، وتحرس حماها بشراسة الأسود الضواري.
وسبحان الله الذي جعل الدبّة نقيض ما أراد بها الجنجويد؛ فبدل أن يغزوها ويعبروا بجسرها إلى العمق الحيوي للولاية الشمالية، ويفرضوا واقعًا جديدًا كليًا، أصبحت الدبّة مقصدًا للمستسلمين من قوات الجنجويد، الذين يئسوا من نصر على الجيش كما يئس الكفار من أهل القبور، وقرروا أن يضعوا حدًا لمعاناتهم، وأن يعترفوا بعجزهم، وأن يتجاوزوا عزة إثمهم وكِبْر رؤوسهم، ويعلنوا الولاء للسودان، الوطن الواحد، وللقوات المسلحة السودانية، ولقيادة الدولة.
فتوجّهت قوافل المستسلمين، الذين عجزت قيادة الجنجويد عن صدّهم أو كشف نواياهم، فأصبحت الدبّة مناخ قوافلهم، ومرابط عِيرهم التي فُصِلت تمامًا من ركب الضلال.
فجاء موسى هلال، والنور قبة، والسافنا، ودحلوب، وآخرون كُثُر، وما تزال أنفس جنجويد تهوي للقفز من مركب حميدتي التائه، الأمر الذي شكّل عبئًا ثقيلًا على قيادة الجنجويد، وهي ترى معدلات الهروب في تزايد مستمر.
فالدبّة، المدينة، يا أيها البعاتي، هي مربط الدروب، وتقاطع المصالح، والعلامة الفارقة في جغرافيا وتاريخ السودان؛ ولذلك استطاعت أن تجرّدك من أصول وعدد وتجهيزات ورجال، وهي راسخة كالطود في مكانها.
وصدق من قال في المثل:
«الفي الدبّة، بشوف البتدبّا.»
حَيَّ الله الدبّة وأهلها، ومن أوى إلى ركنها الشديد.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى