رأي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في “صدى المدى”: مكتبة عمر الحاج موسى بشمبات.. عراقة المكان وعبق التاريخ

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في “صدى المدى”:
مكتبة عمر الحاج موسى بشمبات.. عراقة المكان وعبق التاريخ.
==========
في شمبات الزراعة، حيث ينساب النيل في هدوئه القديم، وبجوار سلاح المظلات العريق، يقف منزل الأميرلاي عمر الحاج موسى شاهداً على زمن كانت فيه البيوت السودانية تحمل أكثر من وظيفة السكن، فقد كانت مجالس للعلم والحوار وملتقيات للرجال الذين صنعوا جانباً من تاريخ الوطن، وفي هذا المنزل نشأت مكتبة أصبحت جزءاً من ذاكرة المكان، بما جمعته من كتب ومراجع ووثائق ودواوين شعر ومقتنيات تحكي سيرة رجل جمع بين صرامة الجندي ورحابة المثقف، ولذلك فإن قيمة هذه المكتبة لا تكمن في رفوفها فقط، وإنما في الروح التي صنعتها، وفي الشخصيات التي عرفت طريقها إلى هذا الصالون الذي ظل مفتوحاً للمعرفة والفكرة.

كان صالون عمر الحاج موسى نموذجاً للمجلس السوداني الذي كانت فيه الكلمة جسراً بين الناس، فالتقى فيه العسكري بالمثقف، والسياسي بالشاعر، والباحث بصاحب التجربة، لأن صاحب المكان كان يؤمن بأن بناء الوطن لا يتم بالقوة وحدها، وإنما بالعلم والوعي وحفظ الذاكرة، ولهذا لم تكن الكتب بالنسبة إليه مجرد أوراق مصطفة على الرفوف، بل كانت تاريخاً حياً وشهادة على رحلة السودان وأهله، فالمكتبة كانت امتداداً لشخصيته التي جمعت بين الانضباط العسكري والاهتمام بالثقافة، وبين خدمة الدولة والاحتفاء بالمعرفة.

وللمكان خصوصيته التي لا تنفصل عن رمزيته، فشمبات الزراعة، بجوار النيل، كانت البيئة التي احتضنت هذا الصالون، فاجتمع هدوء المكان مع حضور الرجال والأفكار التي مرت به، وتحول المنزل إلى مساحة تحمل ذكريات أجيال مختلفة، ففي مثل هذه البيوت لا تكون الجدران مجرد حجارة، وإنما تصبح حافظة للأصوات والحوارات والمواقف، ولهذا بقيت مكتبة عمر الحاج موسى مرتبطة بصورة أوسع من مجرد مجموعة كتب، فهي جزء من ذاكرة اجتماعية وثقافية لمدينة عرفت قيمة العلم والرجال الذين خدموا السودان.

ومع حرب المليشيا المتمردة على السودان وشعبه ومقدراته وممتلكاته، لم يسلم هذا المكان العريق من الأضرار التي لحقت بكثير من البيوت والمؤسسات والمواقع التي وطأتها المليشيا، فقد أصاب العبث بعض محتويات المكتبة، في مشهد مؤلم يضاف إلى وجع السودانيين على الأرواح التي فقدت، والأسر التي تشردت، والممتلكات التي تعرضت للتخريب، فالحزن الأكبر يظل حزن الإنسان، لأن الوطن قبل الحجر، لكن بقاء الكتب والمراجع في مكانها دون أن تمتد إليها الأيدي التي عبثت بالمكان قدم مفارقة مؤلمة، تكشف حجم القطيعة بين من يحمل قيمة المعرفة ومن لا يرى في الكتاب والفكرة أي معنى.

وعندما سألت الطبيب الحاذق د. بابكر عمر الحاج موسى عن حال المكتبة بعد ما أصابها من عبث، وعن هذه المفارقة، وعن سبب بقاء الكتب والمراجع في مكانها، قال عبارته التي تختصر جانباً من المشهد: “هؤلاء الأوباش لا يقرأون، ولا يضعون قيمة لكتاب أو فكرة”، فقد صدق الدكتور بابكر، فهؤلاء لا يعرفون غير القتل والتنكيل والدمار والتخريب، وهي صورة تجلت في ما خلفته المليشيا المتمردة من أضرار طالت الإنسان والممتلكات ومقدرات الوطن، وأصبحت هذه المكتبة شاهداً آخر على أن استهداف الأشياء الجميلة هو جزء من استهداف ذاكرة المجتمع وهويته.

وترتبط هذه المكتبة بسيرة الأميرلاي عمر الحاج موسى، ذلك الرجل الذي جمع بين البندقية والكتاب، فهو ابن القائم مقام الحاج موسى محمد قيلي، أحد رجال الجندية السودانية الأوائل، وقد سار على درب والده في المؤسسة العسكرية، فكان عمر الحاج موسى من رواد سلاح الإشارة وتولى قيادته، وعرف بين الناس بخطابه وثقافته الواسعة، ثم واصل مسيرته في خدمة الدولة فتولى وزارة الدفاع، قبل أن ينتقل إلى وزارة الثقافة والإعلام، جامعاً بين خبرة العسكري ورؤية المثقف، وكان يرى أن الجندية ليست مجرد وظيفة، وإنما رسالة وطنية قائمة على الانضباط والشرف وخدمة الناس.

ومن بين مقتنيات المكتبة لوحة صغيرة في حجمها كبيرة في معناها، كتب عليها: “لو دامت لغيرك لما آلت إليك”، وكانت هذه العبارة رفيقة للأميرلاي عمر الحاج موسى في مواقع المسؤولية، تذكره بأن المناصب أمانة وأن السلطة زائلة وأن ما يبقى للإنسان هو أثره وسيرته بين الناس، وفي ختام هذه الرحلة مع مكتبة عمر الحاج موسى بشمبات تبقى التحية واجبة إلى د. بابكر عمر الحاج موسى، وإلى إخوته د. سيف الدولة، ود. بدر الدين، ود. خالد، وإلى عائلة الخليفة موسى محمد قيلي بأكملها، والتي ظلت تحمل إرثاً من العلم والجندية وخدمة الوطن، والتحية لكل من يحفظون ذاكرة السودان وإرثه، والرحمة والمغفرة لكل شهداء الوطن الأبرار الأخيار، رحم الله الأميرلاي عمر الحاج موسى، الجندي الذي حمل البندقية بيد والكتاب باليد الأخرى، وحفظ الله هذه المكتبة شاهداً على أن الخراب قد يصيب الحجر لكنه لا يستطيع أن يهزم الفكرة، وأن الأمة السودانية مهما أثقلتها الجراح ستظل قادرة على النهوض.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى