رأي

محاسن عثمان تكتب: التعليم الحكومي والخاص.. معًا لاستعادة مجد الجزيرة التعليمي

التعليم الحكومي والخاص.. معًا لاستعادة مجد الجزيرة التعليمي

كتبت: محاسن عثمان نصر

تابعنا الأسبوع الماضي، بمشاعر مختلفة، نتيجة الشهادة السودانية للعام 2026. وهي في حقيقتها ليست أرقامًا تُعلن ثم تنتهي عند قوائم الناجحين؛ بل حصيلة عام كامل من العمل داخل المدرسة، تعكس كفاءة المعلم، ودور الأسرة، وفاعلية الإدارة، وقدرة المجتمع على مساندة التعليم. ومن هذه الزاوية، تكشف نتائج ولاية الجزيرة أن التفوق لا تصنعه مؤسسة واحدة، بل منظومة تتكامل حلقاتها حول الطالب.

صحيح أن التعليم الخاص تصدّر جانبًا من المشهد، وقدّمت «الكودة» نموذجًا لافتًا، لكن المدارس الحكومية أكدت أن لديها ما تقدمه أيضًا، حيث ظهرت النابغة رحيق الصديق من دولوت بمحلية شرق الجزيرة ضمن لائحة المتفوقين على مستوى السودان، بينما تصدر طلاب المدارس الحكومية بودمدني وبعض محليات الولاية قائمة الشرف على مستوى الولاية، حيث أحرز ٨٥٥ طالب وطالبة وفق إحصاءت وزارة التربية بولاية الجزيرة نسبة ٩٠% فما فوق.
وبرزت مدرسة مدني الثانوية بصورة خاصة، بعدما أحرزت 40 من طالباتها درجات بلغت 90% فأعلى. وهي نتيجة تتجاوز دلالتها المدرسية لتطرح سؤالًا أكبر: ماذا يمكن أن تحقق المدرسة الحكومية إذا وجدت الدعم الذي يوازي حجم مسؤوليتها؟

وفي المقابل، برزت نماذج أخرى ضمن لائحة الشرف، بينها تلميذة احتلت الطالبة شيماء اسامة المركز 13من مدارس الأوائل ، وطالب من معاهد الأستاذ التعليمية، ضمن المئة الأوائل على مستوى السودان.

ومن المؤسسات الخاصة التي سجلت حضورًا لافتًا على لائحة الشرف الولائية مؤسسة عائشة بخيت، التي تمثل نموذجًا آخر في دعم التعليم. فمنذ تحرير ود مدني، كانت من أوائل المؤسسات التي ساندت الطلاب عبر كورسات تقوية مجانية لمختلف المراحل. ولم تتوقف المبادرة عند تقديم الخدمة، بل انعكس أثرها في النتائج؛ إذ ضمت قائمة الشرف بمدارس عائشة بخيت أكثر من 42 متفوقًا ومتفوّقة، أحرزوا درجات تجاوزت 90%.

هذه النماذج تؤكد أن التفوق ثمرة بيئة تعليمية متكاملة: معلم مؤهل، وإدارة واعية، وأسرة حاضرة، ومبادرات تستجيب لحاجة الطالب، وموارد تُوظف في المكان الصحيح.

لذلك، لا ينبغي النظر إلى التعليم الحكومي والخاص بوصفهما مسارين متنافسين. فالحكومي يمثل القاعدة الأوسع للتعليم، بينما يملك الخاص تجارب وإمكانات ومبادرات يمكن أن تضيف إلى المشهد. وبين الطرفين مساحة واسعة للشراكة، من برامج التقوية والتدريب إلى تبادل الخبرات ودعم البيئة المدرسية. والهدف في النهاية أن يرتفع مستوى التعليم كله.

لكن نتائج هذا العام تضع أمام ولاية الجزيرة مسؤولية واضحة: دعم التعليم الحكومي ليعود بقوة إلى منصات الشرف على مستوى السودان. فعندما تنجح مدرسة حكومية في إخراج 25 طالبة بدرجات 90% فأعلى، فإنها لا تثبت قدرتها على النجاح فحسب، بل تقدم دليلًا عمليًا على أن الاستثمار في المدرسة الحكومية يمكن أن يصنع نتائج أكبر.

ويبدأ ذلك من المعلم، بتحسين أوضاعه وتمكينه من أدوات العمل، ويمر بالبيئة المدرسية والكتاب والوسائل التعليمية وبرامج التقوية والمتابعة الأكاديمية، مع الاستفادة من خبرات التعليم الخاص والمبادرات المجتمعية.

فالجزيرة التي عُرفت تاريخيًا بثقلها التعليمي، لا ينبغي أن تكتفي بحضور متفوقيها في قائمة شرف الولاية؛ المطلوب أن تصبح هذه النتائج خطوة نحو استعادة موقعها في المشهد القومي. والأهم أن الإمكانات موجودة: طلاب قادرون على التفوق، ومعلمون يواصلون أداء رسالتهم، ومدارس تملك الخبرة، ومبادرات أثبتت أثرها.

المطلوب هو تحويل هذه الإمكانات إلى مشروع تعليمي متكامل: تعليم حكومي يستعيد عافيته، وتعليم خاص يوسع شراكته.

عندها لن يكون الحديث عن استعادة مجد الجزيرة التعليمي مجرد استدعاء لماضٍ جميل، بل مشروعًا حاضرًا تصنعه المدارس والفصول والمعلمون والطلاب كل يوم.

فالمجد التعليمي لا تصنعه مدرسة وحدها ولا قطاع بمفرده؛ تصنعه منظومة تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الفصل، وأن كل طالب متفوق هو لبنة جديدة في مستقبل الجزيرة والسودان.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى