تحقيقات وحوارات

“اسْتِقلالُ السُّوْدانِ وًتحدياتُ بناءِ الوَعْيِ” محتوى خطبة الجمعة للشيخ احمد حامد الجبراوي

بسم الله الرحمن الرحيم
*خطبة الجمعة*
*اسْتِقلالُ السُّوْدانِ*
*وًتحدياتُ بناءِ الوَعْيِ*
احمد حامد الجبراوي

ونحن نستقبل الذّكرى السّبعين لاستقلال السّودان لابدّ من استقراء حاضرنا لاستسراف مستقبل السّودان خاصّة وأنّه يواجه تحديات متعدّدة ومتجدّدة في أصعدة عديدة ولابدّ من النّظر في إيجاد الحلول النّاجعة لها وفي يقيني أنّ بناء الوعي يعتبر حجر الزّاوية في علاج ومواجهة تلك التّحديات بعد توفيق الله و معونته .
والوعي هو المقدرة العقليّة لادراك الواقع والحقائق الّتي تجري من حولنا وما يجب فيها من العمل وذلك عن طريق العلم و تعزيز اليقينيات والبصيرة ومن خلال اتّصال الإنسان بالمحيط الّذي يعيش فيه، واحتكاكه به ممّا يسهم في إيجاد معرفة وعلم بكلّ ما يحيط به من الأمور التي تجري وتحدث من حوله، ممّا يجعله أكثر قدرة على إجراء المقاربات والمقارنات واتخاذ المواقف والقدرةً على اتّخاذ القرارات التي تخص المجالات والقضايا المختلفة التي تطرأ عليه فهو إذن محصول فكري مفاهيمي بعقل المرء يحرِّكه ويدفعه ويوجِّهه
وعليه فإنّ بناء الوعي يأخذ أهميته القصوى ويمكن النظر إليه من خلال:
*١/أهمية تعزيز الوعي بالعقيدة:*
إنّ ضعف الإيمان والعقيدة و تضاؤل القيم من اكبر التحديات التي تواجه مستقبل بلادنا وليس لذلك من مدافعة إلّا بترسيخ الهدف الأعظم الذي خلق من أجله الإنسان وهو عبادة الله : “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” ٥٦ الذّاريات وقوله :”الّذِي خَلَقَ المًوْتَ وَالحَياةَ لِيبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أَحْسَنُ عًمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفٌورُ” ٢ الملك . والاستقلال إنّما يعني تحرّر المرء ممّا سوى الله وبجعل كلّ أنشطة الحياة وسيلة لكسب رضوان الله عزّ وجل والنّجاح في هذا الابتلاء العظيم، هو الذي يرسّخ بناء الوعي القيمي وقواعد العروج الحضاري ويدفعهم إلى العطاء الإيجابي المتواصل ويزيد من شعورهم نحو نيل جائزة الشّهادة على الأمم والمجتمعات “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” ١٤٣ البقرة
٢/ *بناء الوعي السُّنني:*
إنّ اهمال النّواميس الكونيّة فجورا وظلما وعشوائيّة وإهمالا للخطط والتراتيب يشكّل تحدِّياً كبيراً للفهم والنّماء وعليه لابدّ من تعزيز الوعي السنني بالإدراك الحقيقي للأنظمة والنواميس والقوانين الثابتة، التي أودعها الله تعالى في كل مفردة كونية لكي تؤدي وظيفتها الذاتية والكونية بانتظام، والانتقال بهذه السنن من دائرة الإهمال إلى دائرة الإعمال قال تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً”٤٣ فاطر: ويقول سبحانه وتعالى: (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً” ٧٧الإسراء.وكلما استفدنا من السنن الكونية عززنا وعينا وبنينا مجد أمَّتنا بحول الله .
٣/ العلم والتعليم :
فإنّ الجهل والتّجهيل والتّسرّب المدرسيّ وعدم اتّفاق المناهج التربويّة مع مطلوبات التنميّة يُقعِد بالبلاد ويُورثها التّخلّف ولذلك كان أوّل ما نزل “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)” العلق .فالعلم هو مفتاح التنمية والعلم ومناهجه ومؤسساته تحتاج إلى المزيد من تصويب النظر واعادة الصياغة في المحتوى والمضمون والشكل والآليات لتعالج الحاضر وترصف آفاق المستقبل تلمسا لهدايات الوحي واستشرافا للغد.
*٤/الوعي الاستراتيجي:-*
لا زلنا في عالمنا الثالث نعيش بلا خطط ولا برامج فمنذ فجر الاستقلال ظلت بلادنا تدور في حلقة مفرغة بلا تخطيط قومي كلّي تُدار بها حياتنا ونوعاً وموارد وتوظَّف بها مقدراتنا واستطاعاتنا ويُدار بها صراعنا الاستراتيجي ويحفظ بها أمننا القومي فلا زلنا للأسف نعتمد على (رزق اليوم باليوم) وأصبحنا خطّة لغيرنا وعليه فلابد من بناء استراتيجية قومية لكل ما يحيط بنا حتى ننهض ونحقق تطلعات أمتنا: “أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” ٢٢ الملك وذلك بتحقيق توافق وطني وتنازل عن الأنا الشخصي والحزبي والمناطقي والإثني لصالح الكلّ.
*٥/الوعي بمحبّة الوطن:*
إنّ ممّا نعانيه في بلادنا عدم حبّها والتهاون في المحافظة عليها فلابدّ من الوعي بتعميق محبّة الأوطان في النّفوس باعتبارها من أوّل وأهمّ دروع التحصين العلاجيّة والوقائيّة للفرد والأمّة
فإنّ النّفوس الكريمة مجبولة على محبّة الاوطان قال صلّى الله عليه وسلّم :”اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أوْ أشَدَّ، وصَحِّحْهَا، وبَارِكْ لَنَا في صَاعِهَا ومُدِّهَا ..” البخاري وكان يقال: بحبّ الأوطان عمرت البلدان فتعزيز الوعي بهذه القيمة بسطا للعدل وتساميا وتصالحا وعملا وعطاء وتربية وتعليما وتفاعلا صادقا بوابة من بوابات الأمل بإذن الله.
*٦/الوعي بالقيادة الملهمة* :
إنّ العجز عن إدارة التنوع الإثني والتّوظيف الأمثل للمقدرات والموارد التي يذخر بها الوطن من التحديات التي تواجهنا بعد سبعين عاما من نيل الاستقلال وعليه لابدّ من إيجاد القيادة العالمة الملهمة القادرة على التوظيف والادارة وتوجيه القدرات وتفجير الطاقات فلا يزال واقعنا يقول أن 65% من سكان السودان تحت خط الفقر و 75% من السكان ينفقون دخلهم على الغذاء وارتفع معدل البطالة على 40% قبل الحرب وتضاعفت هذه الأعداد بعدها فالحاجة اليوم الى الوعي بالقيادة الملهمة الناجحة التى تفجر الطاقات وتحقق الأمنيات .
قال تعالي:-“وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا” ٨٣ الكهف . فاختيار الامناء الاكفاء أصحاب المواهب هو المطلوب لبناء غدنا الواعد فعن عمر رضي الله عنه أنه قال لأصحابه “تمنوا فقال بعضهم “أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله وأتصدق” وقال رجل “أتمنى لو أنها مملوءة زبرجدا وجوهرا فأنفقه في سبيل الله وأتصدق” ثم قال عمر “تمنوا فقالوا ما ندري يا أمير المؤمنين فقال عمر “أتمنى لو أنها مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان”.المستدرك
*٧/ وللجيش حقّ وتقدير:*
إنّ قوّة الدّولة بعد معونة الرّبّ في جيشها القوي المحافظ على أمنها القومي والذي ظهر جليا من خلال الحرب مقدراته على تجاوز الأزمة في مفاجأتها الأولى ومرونة عالية بعد استمرارها مما يعني أنّه ينبغي علينا أن نعزز وعينا وادراكنا لأهمية الجيش في الحياة ببنائه وتقويته ونظائره من الأجهزة النظامية المعينة سيما وأن بلادنا معقدة التضاريس واسعة الحدود ومعرضة للتنازع الداخلي و تجاذبات الاعداء وتزايد المطامع بسبب وفرة الموارد
قال تعالى:-“الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ” ٨٢ الانعام .
*٨/الوعي بالتعايش السلمي:*
يعتبر التحدي الاثني من أكبر مهددات الوعي في بلادنا وذلك لحداثة بناء الدولة السودانية ولقوة الآصرة القبلية وهشاشة السلطان وضغف العلم وغيرها وعلبه فإن بناء الوعي بأهمية وحدة الأصل الإنساني وألا فرق بين العباد :”لينتَهينَّ أقوامٌ يفتخرون بآبائِهم الَّذين ماتوا إنَّما هم فحمُ جهنَّمَ ، أو لَيَكونُنَّ أهونَ على اللهِ عزَّ وجلَّ من الجُعلِ الَّذي يُدَهْدِهُ الخُرْءَ بأنفِه إنَّ اللهَ أذهب عنكم عبيَّةَ الجاهليَّةِ وفخرَها بالآباءِ . إنَّما هو مؤمنٌ تقيٌّ ، وفاجرٌ شقيٌّ ، النَّاسُ بنو آدمَ ، وآدمُ خُلِق من ترابٍ” الترمذي
قال رئيس الوزراء محمد أحمد محجوب في مجلة النهضة عام 1932م ( ليس أدْعَي إلى الألم و الابتئاس من فقدان الشعور القومي في بلد تتوفر فيه كل دواعيه, و هذا البلد هو الإقليم المنكود الذي نسكنه , و بيننا علاقات الموقع الجغرافي و الجنس و الدين و اللغة, و ليس لنا من الشعور ما يجعلنا نحس هذه الوحدة و نحترمها) فحاجتنا اليوم السلام من تجسير العلاقات ببن المكونات استفادة من المزايا النسبية للمناطق والقبائل لجعلها عنصر قوة وعطاء لا أداة استقطاب واحتراب في نيل الحقوق والمكاسب فما أقعد بالوطن إلا تلك النعرات المنتنة.
*٩/الوعي الأمني:*
ليس هنالك اسوأ من الجهل بالأمن القومي فهو يُعيق تقدّم المجتمع ويُزعزع استقراره ويؤدي إلى الفوضى والعنف، ويُضعف قدرة الأمة على مواجهة الأعداء ويُزيد من انتشار الفساد، لأنه يُفقد الحكمة ويُشجع على التهور وردود الأفعال غير المدروسة في مواجهة الفتن والمشكلات.فتعزيز الوعي بالأمن القومي والسياسية والاقتصادي من الأهمية بمكان خاصة مع دولة مثلةالقارة تعاني من التجاذبات والصراعات وأطماع العدو وتربص الجار فلا أسوأ من الاستهانة بأمن الدولة.
*١٠/الدعاء والاعتصام بحبل الله* :
وختاما فإنّ استمطار مدد معونة الله أولا واخيرا والاستقامة على دين الله من اهم التوجيهات التي تقوية الوعي وتهدي الى الرشد ن: ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴾ طه 24-26 فمهما استبد ليل الظلم والتحديات فإنّ المؤمن لا ييأس، من روح الله فلا أمل إلّا بالاستعانة بالله تعالى
فإن مساحات الرجاء مشرعة وبوّابات الأمل متسعة للمزيد من العمل والعطاء وحسن الادارة والتوظيف والسمو والهمة العالية وتحديد الهدف والله الهادي والمدبر العليم اللطيف .
والحمدلله رب العالمين .

أحمد حامد الجبراوى
المحامي
بورتسودان
١٣ رجب ١٤٤٧ هـ ٢٠٢٦/١/٢م

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى