مشروع (قوز النقارة)… وفاء يتجسّد وأثر طيّب يمتد… د. ياسر عثمان أبو عمّار يكتب

*مشروع (قوز النقارة)… وفاء يتجسّد وأثر طيّب يمتد*
د. ياسر عثمان أبوعمّار
الماء أساس الحياة وأصل بقائها، فبغيابه تغيب أولى مقومات الوجود، وتذبل مظاهر الحياة، ويقترب الإنسان من الهلاك. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، فالماء ليس مجرد نعمة من نعم الحياة، بل هو سرّها وأساس استمرارها، وغيابه يعني غياب الحياة نفسها.
ومن هنا تتجلّى عظمة الماء ومكانته في حياة الإنسان، فهو النعمة التي تقوم عليها سائر صور الحياة، وبه تزدهر الأرض وتستمر الكائنات، حتى غدا وجوده قريناً بوجود الحياة نفسها، وغيابه إيذاناً بالعطش والهلاك والموت.
وإذا غاب الماء أو انعدم، غابت معه أبسط مقومات الحياة، فلا شرب ولا زراعة، ولا إنتاج ولا طعام، ولا قدرة على إطعام الإنسان والماشية.
وبذا يتصل الماء بمعنيين عظيمين امتنّ الله بهما على عباده، (الجوع والأمن)، فقال تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾. فهما نعمتان متلازمتان، إذ إن غياب الماء يهدد الزراعة والرعي والماشية، ويقود إلى الجوع، والجوع يزرع الخوف ويهدد استقرار الإنسان وأمنه. فحيث يُفقد الماء، لا يُفقد الشراب وحده، بل تتداعى معه مقومات الغذاء والأمان والاستقرار.
ولهذا أدرك أهل الطريق من مشايخنا الكرام أن خدمة القرآن لا تقوم على التعليم والحفظ وحدهما، بل تحتاج إلى بيئة يأمن فيها طالب القرآن الجوع والخوف، ويتفرغ فيها قلبه وعقله للعلم والعبادة، فربطوا مشروعاتهم القرآنية ببُعدين متلازمين،(الخلوة) للعلم والحفظ والآداب والاتباع، و(التكية) لإطعام الطعام وتحقيق (الأمن الغذائي).
وفي هذا المعنى جاءت إشاراتهم البليغة، ومنها ما قيل: (كان مو عجيني مو البجيني)، في دلالة على أن إطعام طالب القرآن وتأمين قوته جزءٌ من تهيئة نفسه للعلم. وقال أبونا الشيخ البرعي: (هوِّن لنا العيشة اللحمة والعيشة)، وهي معانٍ كثيرة حفظها أدب أهل الطريق، تؤكد أن دفع الجوع سبيل إلى طمأنينة النفس، وأن الأمن الغذائي يهيئ للأمن النفسي والتفرغ للقرآن. فتلازمت معاني (الدّين والعجين).
وعلى هذا النهج سار الشيخ الوسيلة الشيخ السماني الشيخ برير ود الحسين، بلا فخر، رجل الدين والسياسة، الورع الزاهد الحكيم، جامعاً بين خدمة الدين، ورعاية الإنسان، وحسن تدبير شؤون الحياة، ابتغاء وجه الله، وما عند الله خيرٌ وأبقى.
ومن هذا المعنى تأسس مشروع (قوز النقارة) على يد سيدي الشيخ الوسيلة الشيخ السماني الشيخ برير ود الحسين عطاءاً نورانياً ربانياً ممتداً من أسرة الشيخ برير ود الحسين، وأبناء عمومته من أبناء وأحفاد، وهذا ديدن هذه العترة المباركة التي كانت عضداً وعوناً وسنداً لشيخ الوسيلة، (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)، ليكون مشروعاً يخدم أهل المنطقة، ويعينهم على مواجهة مشاق الحياة، ويوفر لهم سبباً من أسباب الاستقرار والطمأنينة. فقد أدرك الشيخ أن خدمة الناس تبدأ من حاجاتهم الأساسية، وأن الماء في بيئة يعتمد أهلها على الزراعة والرعي، ليس أمراً ثانوياً، وإنما هو أصلٌ تقوم عليه حياة الإنسان والماشية والأرض.
فجاء مشروع (قوز النقارة) امتداداً لذلك الفهم العميق لمعنى الخدمة، حيث اجتمع فيه نفع الإنسان، وإعمار الأرض، وتيسير أسباب المعيشة. وكان المقصود أن يجد أهل المنطقة مورداً يعينهم على حياتهم، ويخفف عنهم مشقة طلب الماء، ويفتح أمامهم أبواباً أوسع للزراعة والرعي والإنتاج، حتى تكون الحياة أكثر استقراراً، ويكون الإنسان أقدر على إعالة أسرته والقيام بشؤونه.
ولم يكن الشيخ الوسيلة الشيخ السماني ينظر إلى هذا العمل باعتباره مشروعاً دنيوياً منفصلاً عن رسالته الدينية، بل كان يراه من صميم ما يحث عليه الدين من قضاء حوائج الناس، وإغاثة المحتاج، وتفريج الكربة، وبذل الخير حيث تكون الحاجة. فالماء الذي يصل إلى الناس لا يروي عطشهم فحسب، بل يسهم في حفظ معاشهم، ورعاية ماشيتهم، وإحياء أرضهم، وصيانة كرامتهم، وتثبيتهم في ديارهم.
ثم دارت الأيام، وتعاقبت الظروف، حتى توقف مشروع قوز النقارة تماماً، وانقطع عطاؤه، وغدا المشروع الذي كان يوماً شرياناً للحياة في المنطقة أثراً من الماضي. ومع طول فترة التوقف، وارتفاع تكاليف إعادة تشغيله وتأهيله، دبّ اليأس في نفوس كثير من الناس، إذ بدت العودة إلى سيرته الأولى أمراً بالغ الصعوبة، لما يتطلبه المشروع من توفير وابورات، ومحولات، ومصارف، وجداول، وبيارات، وشبكات ري، وما يلزم ذلك من أعمال صيانة وتأهيل ونفقات كبيرة تفوق قدرة الأفراد والإمكانات المحدودة.

وظن البعض أن صفحة هذا المشروع قد طويت، وأن ما كان بالأمس مصدراً للحياة والاستقرار لن يعود كما كان. غير أن الخير إذا كان قد أُسس ابتغاء وجه الله، فإن الله لا يضيّع أثره، فقيّض الله لهذا المشروع من يحمل همّه، ويؤمن برسالته، ويعيد إليه الحياة، لتعود المياه إلى مجاريها، ويعود قوز النقارة إلى سيرته الأولى، ويستأنف دوره في خدمة أهل المنطقة وإعانتهم على أسباب الحياة الكريمة والاستقرار.
قيّض الله لأهل المنطقة، وقيّض لمشروع (قوز النقارة)، الشيخ الطيب الشيخ برير الشيخ الصديق، تلميذ الشيخ الوسيلة الشيخ السماني، ليحمل راية المشروع من جديد، ويعيد إليه الحياة بعد طول توقف. فجاءت مبادرته امتداداً طبيعياً لسيرة شيخه العطرة، واستحضاراً لإرث ظل حاضراً في الوجدان، عنوانه خدمة الناس، وقضاء حوائجهم، وبذل الخير ابتغاء وجه الله تعالى. ولم يكن إحياء المشروع مجرد إعادة تشغيل لآلات أو تأهيلٍ لمرافق، وإنما كان إحياءً لمعنى أصيل من معاني الوفاء، وفاء للشيخ الوسيلة وما تركه من سيرة طيبة، ووفاء لأهل المنطقة وحقهم في الماء والحياة الكريمة، ووفاء لإرث صالح ينبغي أن يبقى حياً في واقع الناس.
وبفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بجهد خالص من شيخنا الطيب الشيخ برير الشيخ الصديق، وبتوفيق من الله تعالى، عاد إلى الحياة مشروع (قوز النقارة)، ذلك المشروع الذي يسهم في حياة عشرات القرى، ويخدم مئات الآلاف من المواطنين، ممن ارتبطت معيشتهم واستقرارهم بما يوفره من ماء وأسباب للحياة. وبعودته المباركة، عادت المياه إلى مجاريها، وعادت معها مظاهر الحياة إلى الأرض والإنسان والماشية، واستعاد الناس أملاً ظنوا يوماً أنه قد انقطع.

فما عادت الحياة إلى مشروعٍ مائي فحسب، وإنما عادت إلى قرى وأسر ومزارعين ورعاة، وجدوا في إحيائه سنداً لهم وعوناً على معاشهم واستقرارهم. وهكذا تجسّد أثر المبادرة في واقع الناس، وأصبح إحياء (قوز النقارة) صورة ناصعة من صور العمل الذي يتجاوز أثره صاحبه، ليصل خيره إلى أجيال من الناس، مصداقاً لمعنى أن يبقى الأثر الطيب ممتداً ما دام النفع قائماً.
ومن المفارقات العجيبة التي تستوقف المتأمل في سيرة أشياخنا، الأول والثاني، أن كلاً منهما لم يكن يملك حواشة واحدة في هذا المشروع، ولم يكن له فيه نصيبٌ من أرض أو منفعة خاصة، وإنما كان نظرهما إلى المشروع من زاوية أوسع وأسمى، هي مصلحة الناس وخدمتهم، وتوفير أسباب الحياة الكريمة لهم. فأن ينشئ الإنسان مشروعاً عظيماً، ويتعب في سبيل قيامه واستمراره، ثم لا يكون له فيه حظٌّ دنيوي خاص، لهو من أبلغ صور التجرد والإخلاص، وأصدق الشواهد على أن الغاية كانت خدمة عباد الله، وإعمار الأرض، وابتغاء وجه الله تعالى. وهكذا بقيت سيرتهما شاهدة بأن أعظم ما يتركه المرء ليس ما يملك، وإنما ما ينفع به الناس ويتركه من أثر طيب باق.
وهكذا عاد (قوز النقارة) إلى سيرته الأولى، لا ليكون شاهداً على ماضٍ جميل فحسب، بل ليواصل رسالته في الحاضر، وليترك للأجيال القادمة إرثاً باقياً من العطاء والنفع والعمل الصالح.






