رأي

ياسر الفادني يكتب في من اعلى المنصة: من حفر حفرة لأخيه وقع فيها

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

من حفر حفرة لأخيه وقع فيها

هذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت كاشفًا أخلاقيًا وسياسيًا عاريًا، أزاح الأقنعة عن وجوه كثيرة، وأسقط أوهام الجوار الحسن، وفضح معادن الدول قبل الأفراد، جيران السودان في هذه المحنة انقسموا بوضوح: قلة ثبتت على موقف، وكثرة انزلقت إلى مستنقع السوء، ولم يخرج من هذا الاختبار القاسي إلا مصر وإريتريا، موقفًا واضحًا لا لبس فيه، ولا لعبًا على الحبال

أما دولة جنوب السودان، فقصتها مختلفة… مؤلمة، ومعقّدة، ومثقلة بالتناقض، ظاهريًا ترفع شعارات وقف الحرب، وباطنها يعجّ بمعسكرات تدريب للمليشيا، داخل أراضيها، دون خجل، قوات البيشي التي طُردت من سنجة وتخوم النيل الأبيض لم تتبخر في الهواء، بل أعيد تدويرها هناك، تحت سمع وبصر سلطة اختارت أن تلعب دورًا أكبر من وزنها، وأخطر من قدرتها على الاحتمال،
من ينظر بعدسة المجهر السياسي يدرك أن ما يجري ليس صدفة، بل تعاون واضح بين دولة الشر ودولة جنوب السودان، زيارات سلفاكير المتكررة لأبوظبي لم تكن مجاملات بروتوكولية، وبول تيمان الذي أُطيح به لم يكن موظفًا عاديًا، بل كان رجل الإمارات الأول في جوبا، ومهندس هذا التنسيق القذر، اليوم معظم المرتزقة الذين يقاتلون في صفوف المليشيا هم من أبناء النوير، في مشهد يعكس حجم التورط، وعمق الفاتورة التي سيدفعها الجنوب سياسيًا وأمنيًا

الأنباء القادمة من هجليج ليست عابرة، احتكاكات عنيفة، قتلى وجرحى، واشتباكات بين جيش جنوب السودان والمليشيا نفسها، هنا تبدأ المفارقة القاتلة: الحليف يتحول إلى عبء، والورقة التي استُخدمت لإيذاء السودان ترتدّ على صاحبها، سلفاكير الآن في مأزق حقيقي، سياسيًا وعسكريًا، مأزق صنعه بيديه، حين ظن أن اللعب مع النار يمكن السيطرة عليه،
دويلة الشر، كعادتها، لا وفاء لها، قد تدعم معارضين لسلفاكير بغرض اضعافه ، ستفتح شهيتها على (الجيش الأبيض)، تدفع به إلى محرقة جديدة، بعد أن وضعت الشروط، ويبدو أنها استجابت لها، في مشهد يعكس كيف تُدار الحروب بالوكالة، وكيف يُستنزف الضعفاء لصالح مشاريع لا يعرفون نهايتها،
المشهد معقّد، نعم، لكنه ليس غامضًا، هذه نهاية طبيعية لمسار خاطئ، من يراهن على الخراب في بيت جاره، سيصحو يومًا ليجد النار في داره ، ومن يتآمر على استقرار غيره، سيجد الفوضى تتسلل إلى عاصمته، وما يحدث اليوم في جنوب السودان ليس إلا بداية ارتداد السهم

والأيام القادمة قد تحمل السيناريو ذاته لتشاد، فدائرة الشر واحدة، والنهج واحد، والنتيجة واحدة، التاريخ لا ينسى، والجغرافيا لا ترحم، والدم الذي يُراق ظلمًا لا يضيع،

إني من منصتي أنظر ….حيث أرى … أن في السياسة كما في الحياة، القاعدة لا تتغير:
من يضر أخاه يومًا، حتمًا سيشرب من نفس كأس الضرر الذي أعدّه له…
ومن حفر حفرة لأخيه، سيسقط فيها، ولو بعد حين.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى