ياسر الفادني يكتب في من اعلى المنصة: إذا مـا الدهرُ جرَّ على أناسٍ كلاكِلَهُ أناخَ بآخَرينـا

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
إذا مـا الدهرُ جرَّ على أناسٍ
كلاكِلَهُ أناخَ بآخَرينـا
العنوان أعلاه أنشده الفرزدق في قديم الزمان ومعناه: من يظن أنه بمنأى عن الفوضى… سيتفاجأ بأن الفوضى في طريقها إليه…. !
وصول مليشيا الدعم السريع إلى تخوم تشاد، وجرأتها على مهاجمة الجيش التشادي في الطينة، هو إعلان صريح بأن السيادة التشادية باتت في مرمى النار، وأن هذه الدولة تقف اليوم على حافة اختبار وجودي لا يقبل التردد ولا أنصاف القرارات
أن تتجرأ مليشيا منهكة، مطاردة بالهزائم في دارفور، على عبور الحدود والاشتباك مع جيش نظامي، فذلك لا يعبّر عن قوة هذه المليشيا بقدر ما يكشف هشاشة الردع الإقليمي، واتساع رقعة الفوضى، وتحول السلاح المنفلت إلى لاعب سياسي يفرض وقائعه بالقوة، إنها لحظة لا تحتمل المجاملة ولا التريث، لأن الصمت في حضرة الرصاص ليس حكمة، بل دعوة مفتوحة لمزيد من التمدد والانتهاك
الطينة لم تكن مجرد ساحة اشتباك فحسب بل كانت منصة اختبار لهيبة الدولة التشادية، فحين يُستهدف الجيش داخل حدوده، تُصاب صورة الدولة في عمقها، ويتسلل الشك إلى نفوس المواطنين: من يحمي الأرض إن عجز حراسها؟ ومن يصون الكرامة إن صمتت السلطة؟ في هذه اللحظة، يصبح القرار السيادي ضرورة وجودية، لا خيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش
المشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو، فمليشيا الدعم السريع لا تهرب فقط من الضغط العسكري داخل السودان، بل تبحث عن فضاء جديد للفوضى، وعن جغرافيا بديلة تعيد فيها ترتيب صفوفها، وتخلط بها أوراق الإقليم ، وجودها داخل الأراضي التشادية، ولو لساعات، يعني أن الحدود لم تعد خطوطًا فاصلة، بل ممرات رخوة لعبور الخراب، وأن أمن تشاد بات مكشوفًا على احتمالات بالغة الخطورة
القلق الحقيقي يكمن في الداخل التشادي. فجيش يُهان ولا يُرد له اعتباره، وشارع يرى كرامته تُداس عند الحدود، هو مزيج قابل للانفجار في أي لحظة، وتشاد، بتاريخها المليء بالانقلابات والتمردات والصراعات المسلحة، تعرف أكثر من غيرها أن الشرارة الصغيرة قد تشعل حرائق كبرى، إن أي تراخٍ في هذه اللحظة قد يُقرأ ضعفًا، وقد يتحول إلى كرة نارية تكبر وتتدحرج حتى تحرق قلب القصر الرئاسي
على المستوى الدولي، فإن الدول التي تفشل في ضبط حدودها تُصنّف سريعًا كدول هشة، ويُفتح فوق رؤوسها باب الوصاية والتدخل تحت عناوين محاربة الفوضى وحماية الاستقرار، ومن يفقد سيطرته على حدوده، يفقد تدريجيًا سيطرته على قراره، ثم على مستقبله، هكذا تسقط الدول… خطوة بعد خطوة، وصمتًا بعد صمت
تشاد اليوم أمام لحظة مفصلية، إما أن تُعلن بوضوح أن أرضها خط أحمر، وأن جيشها ليس هدفًا مباحًا، فتستعيد هيبة الدولة وتغلق بوابة الفوضى، أو تترك الأمور تتدحرج حتى تصبح الحدود عبئًا، والسيادة شعارًا، والقرار رهينة لتوازنات السلاح
إني من منصتي أنظر …. حيث أرى… ما جرى في الطينة هو إنذار استراتيجي مبكر، فالجنجويد حين يطرقون أبواب الدول، لا يطلبون الإذن، بل يفرضون الفوضى، وحين تصبح السيادة في مهب الريح، فإن العاصفة لا تحتاج إلى كثير من الوقت كي تقتلع ما تبقى من استقرار .








