رأي

محجوب أبوالقاسم يكتب: العلاج الحكومي “لمن استطاع إليه سبيلا”

*محجوب أبوالقاسم*

*العلاج الحكومي لمن استطاع إليه سبيلا*

لم تكتفي الحرب في السودان بإزهاق الأرواح وتشريد الملايين بل امتدت آثارها المدمرة إلى القطاع الصحي الذي كان أحد أكثر القطاعات تضررا من اعتداءات المليشيا المتمردة حيث تعرضت المستشفيات والمراكز الصحية والبنى التحتية الطبية لعمليات تخريب ممنهجة أخرجت العديد منها عن الخدمة وأفقدت المواطنين حقهم الأساسي في العلاج.

ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة والجهات المختصة خلال الفترة الماضية لإعادة تأهيل المستشفيات وترميم المرافق الصحية وتوفير الأجهزة والمعدات الطبية حتى بدأت بعض المؤسسات الصحية تستعيد عافيتها وتعود بشكل تدريجي لتقديم خدماتها للمواطنين إلا أن تحدي جديد برز إلى السطح وأصبح يشكل هاجس يومي للمرضى وأسرهم يتمثل في الارتفاع المتزايد لتكاليف العلاج داخل المستشفيات الحكومية.

فالمواطن الذي أنهكته الحرب وفقد مصادر دخله ومدخراته وممتلكاته يجد نفسه اليوم في مواجهة فاتورة علاجية تفوق قدرته على الاحتمال وبينما ينتظر من المؤسسات الصحية الحكومية أن تكون ملاذ آمن وميسور التكلفة يصطدم برسوم إقامة وعلاج وفحوصات وأدوية تثقل كاهله وتضاعف معاناته.

وفي هذا السياق نقل أحد المواطنين شكوى مؤلمة تعكس حجم الأزمة التي يعيشها المرضى داخل بعض المستشفيات وأوضح أن تكلفة السرير في العناية المكثفة باحدى مستشفيات مدينة بحري بلغت نحو 60 ألف جنيه في اليوم الواحد فيما تصل تكلفة الإقامة في العنابر إلى 27 ألف جنيه يوميا دون احتساب تكاليف الفحوصات الطبية والأدوية والعلاجات الأخرى.

وتزداد المأساة عندما ترتبط معاناة المرضى بأعطال الأجهزة الطبية ونقص البدائل المتاحة فبحسب الشكوى تعرض أحد الأجهزة الطبية المهمة بالمستشفى لعطل فني أدى إلى تأجيل عملية جراحية كان من المقرر إجراؤها لمريض ما اضطره إلى البقاء داخل المستشفى لأيام إضافية وتحمل تكاليف إقامة جديدة لا ذنب له فيها انتظارا لإصلاح الجهاز وإعادة جدولة العملية.

الأمر الأكثر إثارة للتساؤلات وفقا لشكاوى المواطنين هو اعتماد بعض المستشفيات الكبيرة على جهاز واحد فقط لإجراء عمليات وفحوصات حيوية الأمر الذي يجعل الخدمة الصحية بأكملها رهينة لأي عطل طارئ وعندما يتوقف الجهاز تتعطل العمليات وتتأخر الإجراءات العلاجية لأيام وربما أسابيع بينما تستمر الرسوم في التراكم على المرضى الذين يجدون أنفسهم يدفعون ثمن خلل إداري أو ضعف في التخطيط لا علاقة لهم به.

إن وجود مستشفى يخدم آلاف المواطنين اعتمادا على جهاز وحيد في تخصص حيوي يطرح أسئلة مشروعة حول كفاءة الإدارة الطبية وخطط الطوارئ ومدى جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الأعطال الفنية فالمعايير الطبية والإدارية السليمة تقتضي توفير أجهزة احتياطية وخطط بديلة تضمن استمرار الخدمة وعدم تعطيل مصالح المرضى.

صحيح أن إعادة إعمار القطاع الصحي بعد الحرب تحتاج إلى موارد ضخمة وإمكانات كبيرة لكن الصحيح أيضا أن المواطن لا ينبغي أن يتحمل وحده فاتورة هذه التحديات فالصحة ليست خدمة ترفيهية يمكن الاستغناء عنها وإنما حق أساسي تكفله الدولة لكل مواطن خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية التي تمر بها البلاد.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تدخل عاجل من السلطات الصحية الاتحادية والولائية لمراجعة الرسوم المفروضة داخل المستشفيات الحكومية والوقوف ميدانيا على أوضاع الأجهزة الطبية والخدمات المقدمة ومحاسبة أي جهة يثبت تقصيرها في أداء واجباتها تجاه المرضى.

فالمواطن الذي صمد في وجه الحرب والنزوح وفقدان الموارد لا يطلب المستحيل بل يطالب فقط بخدمة صحية تحفظ كرامته وتراعي ظروفه الإنسانية. وما بين الدمار الذي خلفته الحرب والأعباء التي تفرضها تكاليف العلاج يبقى السؤال قائما هل يترك المريض وحيد في مواجهة هذا المصير أم أن الوقت قد حان لوضع صحة المواطن في مقدمة الأولويات؟

ولأن صحة الإنسان لا تحتمل التأجيل فإن معالجة هذه الاختلالات لم تعد خيار بل أصبحت ضرورة وطنية وأخلاقية وإنسانية.

ولنا عودة

16 يونيو 2026م

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى