رأي

ياسر الفادني يكتب في من اعلى المنصة: اسأل عليك وسط الزحام…إيمكن ألاقي البشبهك !

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

اسأل عليك وسط الزحام…إيمكن ألاقي البشبهك !

هناك أغانٍ تُسمع، وهناك أغانٍ تُعاش، وهناك نصوص شعرية تتجاوز حدود الكلمات لتصبح حالة وجدانية كاملة، تسكن الروح وتستوطن الذاكرة، ومن هذا الطراز الرفيع تأتي رائعة الشاعر عبد العال السيد التي منحها الراحل المقيم مصطفى سيد أحمد من روحه ما جعلها واحدة من العلامات المضيئة في وجدان الغناء السوداني
منذ المطلع الأول:
(وبقيت أعاين في الوجوه وأسأل عليك وسط الزحام)
يدخل الشاعر مباشرة إلى قلب التجربة الإنسانية الأكثر قسوة؛ تجربة البحث عن الغائب وسط الحضور، والحنين إلى وجه واحد بين آلاف الوجوه، هنا لا يصف عبد العال السيد حالة عاطفية فحسب، بل يرسم مشهدًا وجوديًا مكتمل الأركان، الزحام ليس زحام الناس فقط، بل زحام العمر، وزحام الذكريات، وزحام الخيبات

البلاغة في النص لا تأتي من الزخرفة اللغوية، وإنما من بساطة الصورة وعمقها، فعندما يقول:
(شايلاهو وين النيل معاك؟ عصفورة جنحاتا النجوم)
فإنه يستعير من النيل امتداده وغموضه، ومن العصفورة حريتها وخفتها، ومن النجوم بعدها واستحالة الوصول إليها، إنها صورة مركبة تجمع الأرض والسماء والحركة والغياب في لحظة شعرية واحدة
ثم يبلغ النص ذروة الإبداع حين يقول:
(بسأل عليكي مدن.. مدن وأعصر سلافة الليل.. حزن)!
أي شاعر هذا الذي يحول الليل إلى عنقود حزن يُعصر؟ وأي خيال قادر على جعل المدن كلها محطات بحث عن شخص واحد؟ هنا يتحول الحنين إلى جغرافيا كاملة، ويتحول الفقد إلى وطن

أما في المقطع الأخير، فإن الشاعر يخرج من دائرة الشوق إلى دائرة الوفاء الإنساني العميق:
(ما نحنا بينا الأمنيات والتضحية بينا المعزات والعذابات في الحياة)
هنا تتجسد فلسفة الحب عند عبد العال السيد؛ حب قائم على المشاركة في الأحلام والأوجاع معًا، ليس عشقًا رومانسياً بل شراكة عمرية صنعتها التجارب والآلام والانتظار
لكن العبقرية الحقيقية للنص تكمن في خاتمته الموجعة:
(لكن كلامنا الكان.. وكان خايف يكون شالو الهوى)
إنها جملة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل كل مأساة الإنسان أمام الزمن، الخوف هنا ليس من الفراق فقط، بل من ضياع الوعد ذاته، ومن أن تصبح الذكريات مجرد أوراق بعثرتها الريح،
ولأن النص كان بهذا العمق، فقد احتاج إلى ملحن ومؤدٍ استثنائي، فجاء مصطفى سيد أحمد ليحول الكلمات إلى كائن حي يتنفس،
لم يكن مصطفى يغني النصوص، بل كان يسكنها، كان يقرأ ما بين السطور قبل أن ينطق الكلمات، لذلك جاءت الجملة اللحنية هادئة، متأنية، تعتمد على الانسياب العاطفي أكثر من الاستعراض الموسيقي، اللحن يتحرك في مساحات شجية، تتكئ على المقامات الشرقية ذات النزعة الحزينة، مع انتقالات محسوبة تمنح المستمع إحساس الترقب والاشتياق دون أن تسقط في المباشرة أو الميلودراما،
أما التوزيع الموسيقي والهارموني، فقد جاء خادمًا للنص لا متسلطًا عليه ، الآلات لا تزاحم الكلمات، بل تفسح لها المجال لتتنفس. كل فاصلة موسيقية تبدو وكأنها امتداد لصمت الشاعر بين جملة وأخرى، وكل انتقال لحني يبدو كخطوة جديدة في رحلة البحث الطويلة عن الغائب
ويبقى صوت مصطفى سيد أحمد هو المعجزة الكبرى.
ذلك الصوت لم يكن صوتًا قويًا بالمعنى التقليدي، لكنه كان من أكثر الأصوات صدقًا في تاريخ الغناء السوداني. يمتلك خامة دافئة، ومساحة تعبيرية هائلة، وقدرة نادرة على تحميل الكلمة أكثر من معناها الظاهر ، كان يغني بالحبال الصوتية وبالقلب معًا، لذلك يشعر المستمع أن مصطفى لا يؤدي الأغنية بل يعيشها لحظة بلحظة.
سر قرب مصطفى من الأذن السودانية أنه لم يغنِّ من برج فني عالٍ، بل غنى من داخل الوجدان الشعبي نفسه، كان يشبه الناس في أحلامهم الصغيرة وأحزانهم الكبيرة، ولذلك وجد كل مستمع جزءًا من حياته في أغنياته.
هذه الأغنية تحديدًا تمثل في الوجدان السوداني أكثر من مجرد عمل غنائي. إنها نشيد للغياب، وسجل للحنين، ومرآة لسنوات طويلة من الفراق والأسفار والمنافي والانتظار، لذلك ظل السودانيون يعودون إليها كلما ضاقت بهم المسافات، وكلما بحثوا عن وجه غاب، أو وعد تأخر، أو زمن جميل مرّ ولم يعد

إني من منصتي أنظر … حيث أقول : أن هذه الأغنية ليست ملكًا لعبد العال السيد ولا لمصطفى سيد أحمد وحدهما، بل أصبحت ملكًا لذاكرة شعب كامل، كلما استمع إليها شعر أن هناك شيئًا من حكايته الشخصية يختبئ بين الكلمات، وأن صوت مصطفى ما زال، رغم الغياب، يغني في مكان ما من القلب ، هذا نص من الأعمال التي تؤكد أن الكلمة الجميلة حين تجد اللحن الصادق والصوت الحقيقي، تتحول من أغنية إلى جزء من السيرة العاطفية لأمة بأكملها.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى