رأي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب: هدوء اضطرابات الخليج و انعكاساتها المتوقعة على واقع الاقتصاد السوداني

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب: هدوء اضطرابات الخليج و انعكاساتها المتوقعة على واقع الاقتصاد السوداني.
==========
لم يكن هدوء الاضطرابات في منطقة الخليج تطوراً سياسياً فحسب، بل يحمل معه آثاراً اقتصادية مهمة يتوقع ان تنعكس على أسواق الطاقة وحركة التجارة والاستثمار، فمع تراجع حدة التوترات بدأت الأسواق تستعيد شيئاً من الاستقرار، وانخفضت تكلفة المخاطر المرتبطة بالشحن والتأمين والنقل، وهو ما أعاد قدراً من الثقة إلى الاقتصاد العالمي.

وانطلاقاً من هذا الأثر المباشر على الاقتصاد العالمي، فإن فهم انعكاساته يتطلب النظر إلى طبيعة الترابط بين الاقتصادات المختلفة، وفي عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية وتتداخل فيه مسارات التجارة والطاقة والتمويل، أصبحت التحولات الإقليمية ذات تأثير مباشر على اقتصادات الدول، خصوصاً الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد والتجارة الخارجية، ومن هنا فإن أي استقرار في منطقة الخليج، بما تمثله من أهمية في أسواق الطاقة والممرات البحرية، ينعكس على حركة الاقتصاد العالمي وعلى الدول المرتبطة بهذه المنظومة.

وفي سياق هذا الترابط الاقتصادي الواسع، يبرز السودان كأحد البلدان المتأثرة بهذه المتغيرات بصورة مباشرة. والسودان، بحكم تركيبته الاقتصادية الراهنة، يتأثر بهذه المتغيرات بصورة مباشرة. فالاقتصاد السوداني يعتمد على استيراد الوقود والقمح والدواء ومدخلات الإنتاج، ولذلك فإن أي انخفاض في أسعار الطاقة أوتكاليف النقل يخفف الضغوط على النقد الأجنبي ويساعد في الحد من ارتفاع الأسعار وتحسين القدرة على إدارة الموارد.

ورغم هذه المكاسب المحتملة، فإن القراءة الاقتصادية الواقعية تقتضي التأكيد على أن أزمة السودان أعمق من متغير خارجي واحد. فالتحديات الحالية هي نتيجة تراكمات طويلة تعمقت بصورة كبيرة بسبب الحرب وآثارها على الإنتاج والاستثمار والبنية التحتية وحركة الأسواق. ولذلك فإن أي تحسن في البيئة الإقليمية يمثل دعماً للاقتصاد، لكنه لا يغني عن الإصلاحات الداخلية المطلوبة.

ومن هذا المنطلق، فإن هدوء اضطرابات الخليج يوفر فرصة يمكن استثمارها بحكمة، فتراجع بعض التكاليف المرتبطة بالتجارة والاستيراد يمكن أن يمنح الاقتصاد السوداني مساحة أفضل لإعادة ترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد نحو القطاعات المنتجة، خاصة الزراعة والصناعة والخدمات، بما يعزز قدرة الاقتصاد على التعافي واستعادة النشاط.

واستكمالاً لما تتيحه هذه الفرصة من آثار إيجابية، فإن استقرار البيئة الإقليمية يفتح فرصاً أوسع للتعاون الاقتصادي والاستثماري، ويمنح السودان إمكانية أكبر للاستفادة من موقعه الجغرافي وموارده الطبيعية، خاصة في مجالات الأمن الغذائي والطاقة والخدمات اللوجستية، وهي مجالات يمكن أن تشكل ركائز مهمة في مرحلة إعادة البناء.

لكن الاستفادة من هذه الفرص الإقليمية لا تتحقق تلقائياً، إذ إن تحويل هذه الفرص إلى نتائج حقيقية يتطلب عملاً داخلياً جاداً، يبدأ بتحسين بيئة الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز كفاءة المؤسسات، ودعم الإنتاج الوطني، وتشجيع الصادرات. فالدول لا تنهض فقط بتحسن الظروف من حولها، وإنما بقدرتها على إدارة مواردها وصناعة الفرص.

وفي ضوء هذه المتطلبات الداخلية، فإن السودان اليوم يخوض معركتين متلازمتين؛ معركة الحفاظ على الدولة وسيادتها، ومعركة بناء اقتصاد قادر على الصمود والنهوض. وقد أثبتت المرحلة الماضية أن الشعب السوداني ومؤسسات الدولة يمتلكون قدرة كبيرة على مواجهة التحديات، وأن البلاد قادرة على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة البناء والتعافي.

وخلاصة لما سبق من فرص وتحديات ومتطلبات، فإن هدوء اضطرابات الخليج يمثل فرصة إيجابية للاقتصاد السوداني، لكنه ليس بديلاً عن العمل والإصلاح والإنتاج. فالمستقبل تصنعه الرؤية الواضحة والإدارة الرشيدة وحسن استثمار الفرص. والسودان، بما يملكه من موارد وإمكانات وتجارب متراكمة، يملك من المقومات ما يؤهله لاستعادة مكانته الاقتصادية ودوره الطبيعي في محيطه الإقليمي والدولي، والانتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة النهوض والتنمية المستدامة.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى