رأي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»: البروفيسور صلاح الدين أحمد محمد أحمد الفحل.. ابن رفاعة وعبقري الرياضيات الذي أذهل العالم

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»:
البروفيسور صلاح الدين أحمد محمد أحمد الفحل.. ابن رفاعة وعبقري الرياضيات الذي أذهل العالم

تُعد مدينة رفاعة واحدة من المدن السودانية التي ارتبط اسمها بالعلم والتعليم وصناعة الشخصيات المؤثرة في تاريخ السودان، فقد ظلت عبر أجيالها بيئة حاضنة للمعرفة، وأنجبت علماء ومفكرين حملوا اسم الوطن إلى آفاق بعيدة. ومن رحم هذه المدينة، مدينة العلم والعلماء، خرجت قامة علمية استطاعت أن تحمل اسم السودان إلى العالمية، إنه البروفيسور صلاح الدين أحمد محمد أحمد الفحل، أحد أبرز علماء الرياضيات السودانيين الذين وضعوا بصمتهم في مجال من أكثر مجالات العلم تعقيداً، ليصبح نموذجاً للعقل السوداني القادر على الإبداع والتميز في أرفع ساحات المعرفة.

وُلد البروفيسور صلاح الدين في الديم الغربي بمدينة رفاعة في منتصف أربعينيات القرن الماضي، ونشأ في أسرة عُرفت بالعلم والقيم الرفيعة. فقد كان والده الحاج أحمد محمد أحمد ود الفحل يعمل في هيئة السكة الحديد بمدينة عطبرة، التي كانت وما زالت من المدن السودانية الرائدة في التعليم وصناعة الكفاءات الوطنية، وموطناً خرجت منه أجيال من العلماء والمبدعين، بينما كانت والدته الحاجة آمنة محمد خير إبراهيم «بت أفندينا» سنداً في تكوين شخصيته بما غرسته فيه من قيم الاجتهاد وحب المعرفة والانضباط. ولم يكن صلاح الدين حالة منفردة في أسرته، بل كان امتداداً لبيت عرف قيمة العلم، فقد أحرزت شقيقته الأستاذة بثينة أحمد محمد أحمد المرتبة الأولى على مستوى السودان في امتحان القبول للمدارس الثانوية عام 1957، كما واصل شقيقه المهندس طارق أحمد الفحل مسيرة النجاح العلمي والمهني.

ظهرت ملامح النبوغ على صلاح الدين منذ مراحل الدراسة الأولى، فقد كان من الطلاب الذين لفتوا الأنظار بتميزهم وقدرتهم العالية على التحليل والاستيعاب. وفي عام 1965 أحرز المركز الثاني على مستوى السودان في الشهادة السودانية مناصفة مع زميله صالح السنوسي، بينما كان المركز الأول للطالب ماريو بيتر من مدرسة رومبيك الثانوية. وبعد التحاقه بجامعة الخرطوم برز سريعاً كأحد ألمع طلاب الرياضيات، وتميز بعقل رياضي متقد وشغف بالبحث العلمي، حتى أصبح من الأسماء التي توقعت لها الأوساط الأكاديمية مستقبلاً استثنائياً.

وإدراكاً من جامعة الخرطوم لقيمة هذا النبوغ، تم ابتعاث البروفيسور صلاح الدين مع زميله البروفيسور صالح السنوسي إلى بريطانيا بعد ثلاث سنوات فقط من الدراسة الجامعية لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه، ضمن مشروع علمي هدف إلى تأسيس مدرسة سودانية رائدة في العلوم الرياضية. وبعد عودتهما أسهما في تطوير قسم الرياضيات بجامعة الخرطوم وإنشاء مدرسة العلوم الرياضية التي أصبحت لاحقاً كلية الرياضيات، في مرحلة شكلت تحولاً مهماً في مسيرة التعليم العالي السوداني. ثم واصل البروفيسور صلاح الدين رحلته العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية أستاذاً بجامعة جنوب إلينوي، حيث أصبح من العلماء المعروفين في مجالات التحليل العشوائي وحساب ماليافان والمعادلات التفاضلية العشوائية والتحليل الدالي، وهي مجالات دقيقة تمثل قمة التطور في الرياضيات الحديثة، وقد نشر أبحاثاً علمية رصينة وشارك في تحرير مجلات متخصصة وتعاون مع جامعات ومراكز بحثية عالمية، ليصبح اسمه واحداً من الأسماء السودانية المضيئة في خارطة الرياضيات الدولية.

وعلى الصعيد الأسري، اقترن البروفيسور صلاح الدين أحمد الفحل بالأستاذة سلوى الطيب الجزولي، خريجة كلية العلوم بجامعة الخرطوم، التي شاركته رحلة العلم والحياة. وتنتمي الأستاذة سلوى إلى أسرة سودانية عُرفت بالتفوق والتميز، ومن أبرز أفرادها اللواء طبيب سهير الطيب الجزولي، ابنة رفاعة، مدينة العلم والعلماء، والتي تُعد من القيادات المرموقة في السلاح الطبي ومن الكفاءات الطبية والأكاديمية البارزة، فقد جمعت بين الخبرة القيادية في السلاح الطبي والحضور الأكاديمي في جامعة كرري، وما تزال تواصل عطاءها الفذ في المجالين، مقدمة نموذجاً مشرفاً للمرأة السودانية التي جمعت بين العلم والقيادة وخدمة الوطن. وقد تزوجت اللواء طبيب سهير الطيب الجزولي من الدكتور بابكر عمر الحاج موسى، لتشكل هذه الأسرة حلقة ضمن منظومة ممتدة من العبقرية والنبوغ والتفوق والعلم، حيث تتلاقى فيها قيم المعرفة والعطاء.

إن سيرة البروفيسور صلاح الدين أحمد الفحل ليست مجرد سيرة عالم رياضيات، بل هي قصة وطن أنجب عقلاً مبدعاً حمل اسم السودان إلى المحافل العلمية العالمية. فقد خرج من رفاعة، ونهل من عطبرة، وتخرج في جامعة الخرطوم، ثم وصل إلى العالمية بعلمه واجتهاده، وظل مثالاً للعالم المتواضع صاحب الأثر الكبير. ويروي الراحل الفريق أول طبيب مالك العاقب، الذي زامله في عطبرة الثانوية، أن صلاح كان الأول دائماً في التحصيل العلمي، لكنه كان أيضاً مثالاً في الأخلاق والتواضع وحسن السيرة. وستظل مسيرته علامة مضيئة في تاريخ العلم السوداني، وشاهدة على قدرة العقل السوداني على صناعة الإنجاز، وعلى أن المعرفة هي الطريق الأوسع لبناء الأمم، رحم الله البروفيسور صلاح الدين أحمد الفحل وجعل علمه إرثاً باقياً للأجيال.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى