رأي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى» إدارة الطاقة الشخصية وتجديد القدرة على العطاء

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»
إدارة الطاقة الشخصية وتجديد القدرة على العطاء

في مشاغل الحياة، وازدحام المسؤوليات، وتسارع إيقاع الأيام، يمضي الإنسان بين متطلبات العمل والأسرة والعلاقات والتفاصيل اليومية التي تستهلك من وقته وجهده، وقد يبدأ يومه بطاقة عالية ورغبة في الإنجاز، ثم يجد نفسه مع مرور الساعات أقل قدرة على التركيز والعطاء، والمفارقة أن الإنسان يحرص على شحن هاتفه قبل أن تنفد بطاريته، لكنه قد ينسى أن لديه هو الآخر رصيدًا من الطاقة يحتاج إلى التجديد، فهو يعرف تمامًا متى يضع هاتفه في الشاحن، لكنه أحيانًا لا يعرف متى يضع نفسه في «الشاحن»!

وهنا يبرز مفهوم «إدارة الطاقة الشخصية»، وهو قدرة الإنسان على التعرف على مصادر طاقته وتنظيمها وتجديدها حتى يحافظ على قدرته على الإنجاز والاستمرار، فكما يدير الإنسان وقته وأهدافه، يحتاج كذلك إلى إدارة طاقته، لأن الوقت وحده لا يصنع الإنجاز، فقد يكون لديك يوم كامل من أربع وعشرين ساعة، لكنك لا تملك في نهايته الطاقة التي تمكنك من استخدامه بكفاءة، ولهذا فإن السؤال ليس دائمًا: كم بقي من الوقت؟ وإنما أحيانًا: كم بقي من الطاقة؟

ومع تراكم الضغوط اليومية قد يصل الإنسان إلى حالة من الاستنزاف، فيشعر بأن المسؤوليات أصبحت أثقل، وأن الجهد الذي كان يبذله بسهولة أصبح يحتاج إلى طاقة أكبر، وهنا يظهر مفهوم «الاحتراق الوظيفي أو النفسي» (Burnout)، وهو حالة من الإرهاق الجسدي والعاطفي والذهني ترتبط بالتعرض المزمن لضغوط العمل أو المسؤوليات دون استعادة كافية للطاقة والتوازن، ولا ينبغي النظر إلى هذه الحالة باعتبارها دليلًا على ضعف الشخصية، بل باعتبارها إشارة تستحق الانتباه إلى أن الإنسان استهلك من موارده أكثر مما جدد منها، وكأن مؤشر الوقود دخل المنطقة الحمراء، بينما صاحبه ما زال يصر على مواصلة الرحلة!

ومن هنا تأتي أهمية «إدارة الضغوط»، وهي مجموعة من الأساليب التي تساعد الإنسان على التعامل مع مصادر الضغط بصورة أكثر فاعلية، من خلال ترتيب الأولويات، وتنظيم الوقت، وتقسيم المهام، وتقليل مصادر الاستنزاف غير الضرورية، ومعرفة متى يحتاج الإنسان إلى التوقف قليلًا حتى يستعيد نشاطه، فالتوقف هنا ليس انسحابًا من الحياة، والراحة ليست كسلًا، كما أن إعادة شحن الطاقة ليست ترفًا، وإنما جزء من القدرة على الاستمرار، فالسيارة نفسها لا تصل إلى وجهتها بمجرد أن يكون سائقها متحمسًا، إذا كان خزان الوقود فارغًا!

وتؤكد مبادئ تطوير الذات أهمية «التوازن الحياتي»، أي تحقيق قدر من الانسجام بين العمل والأسرة والعلاقات والاهتمام بالذات، ويرتبط بذلك «الوعي بالذات»، وهو قدرة الإنسان على فهم مشاعره واحتياجاته وقدراته وحدوده، ومعرفة مصادر قوته ومواطن استنزافه، فالإنسان الواعي بذاته يعرف متى يحتاج إلى بذل المزيد من الجهد، ومتى يحتاج إلى الراحة، ومتى يكون الاستمرار شجاعة، ومتى يصبح التوقف حكمة، كما يعرف أن الإنسان لا يستطيع أن يمنح الآخرين بصورة مستدامة إذا كان رصيده الداخلي قد أصبح في حالة عجز مستمر.

ومن هنا يمكن النظر إلى «الطاقة الشخصية» باعتبارها موردًا يحتاج إلى إدارة وتجديد، وهي ليست طاقة واحدة بالمعنى الحرفي، وإنما تتداخل فيها جوانب متعددة، منها الطاقة الجسدية التي تتأثر بالنوم والغذاء والحركة، والطاقة الذهنية التي تتأثر بالتركيز وكثرة المهام والضوضاء المعلوماتية، والطاقة العاطفية التي تتأثر بطبيعة العلاقات والمواقف اليومية، والطاقة الروحية التي يستمد منها الإنسان معنى وطمأنينة وقدرة على الاحتمال، ولذلك فإن تجديد الطاقة لا يكون دائمًا بالنوم وحده، فقد ينام الإنسان ساعات طويلة ويستيقظ متعبًا، لأن المشكلة أحيانًا ليست في عدد ساعات النوم، وإنما في طبيعة الحياة التي يعيشها وهو مستيقظ.

ويقدم الإسلام تصورًا متوازنًا لحياة الإنسان، فهو لا يفصل الروح عن النفس، ولا الفرد عن المجتمع، وإنما يوجه الإنسان إلى الصلة بالله، والصبر والتوكل والرضا، والرحمة والتكافل وصلة الرحم وحسن الخلق، وهي معانٍ تمنح الحياة قدرًا من السكينة والمعنى والتوازن، وقد أدرك أهل السلوك هذا المعنى في حديثهم عن «الخلوة» و«الجلوة»، وكأنهم يريدون أن يقولوا إن الخلوة هي لحظة مراجعة وتجديد، يبتعد فيها الإنسان قليلًا عن ضجيج الحياة، ويجدد صلته بالله، ويرتب داخله، خاصة في هدوء الليل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن والاستغفار والدعاء، أما الجلوة فهي العودة إلى الحياة بعد هذا التجديد، بحيث تظهر آثاره في العمل والعلاقات وحسن التعامل مع الناس، فالخلوة ليست هروبًا من الحياة، والجلوة ليست غرقًا فيها، وإنما هما في هذا المعنى حركة بين التجديد والعطاء.

إن إدارة الطاقة الشخصية ليست فكرة نظرية، وإنما أسلوب حياة يبدأ من معرفة الإنسان لمصادر قوته ومواطن استنزافه، وقد يكون التجديد في لحظة هدوء، أو علاقة إنسانية طيبة، أو فكرة ملهمة، أو عادة صحية، أو وقت يقضيه الإنسان مع أسرته، أو لحظة قرب من الله تمنح القلب السكينة، ولذلك يحتاج الإنسان إلى أن يسأل نفسه من وقت إلى آخر: ما الذي يمنحني الطاقة؟ وما الذي يستنزفني؟ وما الذي أستطيع تغييره بدل أن أظل أشتكي منه؟ فبعض الناس يستهلكون نصف طاقتهم في مقاومة أشياء لا يستطيعون تغييرها، ثم يشتكون من أن البطارية ضعيفة!

والخلاصة أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى إدارة وقته، وإنما يحتاج أيضًا إلى إدارة طاقته، لأن الإنجاز المستدام لا يقوم على الحماس وحده، وإنما على القدرة على التجدد، وكلما عرف الإنسان كيف يحافظ على طاقته، وكيف يتعامل مع ضغوطه، وكيف يوازن بين واجباته واحتياجاته، أصبح أكثر قدرة على العطاء دون أن يستنزف نفسه، فالحياة ليست سباقًا قصيرًا نصل فيه إلى خط النهاية بأي ثمن، وإنما رحلة طويلة تحتاج إلى أن نعرف متى نمضي، ومتى نتوقف، ومتى نعيد شحن قدرتنا على مواصلة الطريق.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى