رأي

لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: مجلس الأمن.. أم مسرح الهزل؟

بسم الله الرحمن الرحيم
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦م
مجلس الأمن.. أم مسرح الهزل؟
لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد
عندما اكتملت إجراءات انعقاد جلسة مجلس الأمن اليوم، الاثنين، عند العاشرة صباحًا في نيويورك، وأُزيح الستار عن مسرح المهزلة، جلس على المنصة وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، وعلى ظهره، أعلى الجدار الصقيل، تطل لوحة طائر الفينيق وهو ينهض من بين الرماد؛ رمزيةً لحياة جديدة للعالم الذي خرج من الحرب العالمية الثانية. واللوحة من أعمال الرسام النرويجي بير كروغ.
كان رئيس الجلسة يفرك يديه في قلق، وهو يتقمص دور الحريص على الشأن الإنساني في السودان، ويخفي وراء القناع الدبلوماسي كل تاريخ الدنمارك ووحشيتها في الاستعمار وتجارة العبيد تحديدًا، وسوء معاملة السكان الأصليين في غرينلاند، التي ما تزال قضيتها عالقة، وإن تلطف الارتباط شيئًا ما.
تناوب على منصة الخطاب محض أزلام ودمى، تحركهم أصابع المفسدين، وتملي عليهم ما يقولون. فأمثال روزماري، وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية، وتوم فليتشر، وكيل الشؤون الإنسانية، ومسعد بولس، السمسار الأخبث، وحتى من أسموها ممثلة المجتمع المدني، هالة الكارب، كل هؤلاء الممثلين الهزليين الذين تعاقبوا على المنصة، يهرفون دون وازع من ضمير.
وقد علموا، من خلال التقارير والرصد والوقائع، وما قدمه السودان خلال سنوات الحرب من أدلة لا تقبل الشك، أن السبب الرئيس في استمرار الحرب والمعاناة هو تدفق السلاح والإمدادات، وتواطؤ دول الجوار مع صناع المؤامرة ورعاة وداعمي المليشيا. يعرفونهم تمامًا، ولكنهم يتغاضون عن ذلك لاعتبارات المصالح، ويضعونها فوق الحقيقة، ويكتفون بدغمسة الحديث، حتى لا يُفهم منه شيء.
فإذا عدنا لما بعد مهرجان الخطابة هذا، فإنه قال ولم يقل شيئًا ذا بال، بل يمكن اعتباره دليل إدانة وتقصير ونفاق من مجلس الأمن، وهو يتجاوز عن مآسٍ إنسانية أعمق وأشد وأقسى، مثل حرب غزة. فلماذا لا يُحظر الطيران الإسرائيلي بالمثل؟
وكذلك لا يستحي المندوب الأمريكي الذي قال إنه مكلف من الرئيس الأمريكي بإحلال السلام في السودان، بينما أمريكا هي السبب الأصل في معاناة السودانيين لأكثر من نصف قرن، من الحصار والمنع الاقتصادي والتحريض، بل والاستهداف العسكري غير المبرر. ومسعد بولس هذا يعلم تمام العلم من يقوم بتسليح المليشيا، وحتى بالسلاح الأمريكي، والمسيرات والذخائر الإسرائيلية، ولا يجد في نفسه الشجاعة لأن يشير بإصبع الاتهام إليهم، فقط لأنه منهم، ومعهم، وتتغذى حساباته بتحويلاتهم البنكية.
الحمد لله، ففي زمن الاستنارة هذا لم يعد ممكنًا ممارسة الخداع على الناس. والذين تجرأوا في خطاباتهم الباهتة على تحميل الحكومة السودانية بعض أوزار الحرب، وقسمةً من المآسي الإنسانية، وجعلها شريكًا للمليشيا في جرائمها، إنما يخدعون أنفسهم، ويكشفون فسادهم؛ فكل الناس يعرفون الحقيقة المجردة، بينما هم يسعون إلى تزييفها، مع ما لديهم من أدوات الرصد ووسائل التمييز.
ولعل هذا الأداء الرديء هو الذي أحال مجلس الأمن إلى مسخ شائه جبان، لا يملك القدرة على بيان الحق، فقط لأن من فيه فاسدون حتى النخاع.
وإلا، فأين سيادة الدول؟
وأين دور الجيوش الوطنية في حماية شعوبها؟
وكيف تتساوى مع عصابات الإجرام؟
وما الذي أجاز لأمريكا أن تحارب في أفغانستان والعراق وإيران، وأن يعربد جيش الاحتلال الإسرائيلي في لبنان وسوريا، ولا يُسمح لجيش السودان أن يلاحق القتلة والمجرمين والمرتزقة الملاقيط داخل وطنه؟
أما وقد انتهى هذا المسرح الهزلي من عرضه، فما زاد الناس إلا زهدًا في خير يأتي من تلقاء مجلس الأمن.
نعم، ستعاود أمريكا الكرة، ربما في آخر هذا الشهر، أغسطس، وحتى منتصف سبتمبر القادم، إنفاذًا لصفقات أموال لم تعد خافية، في مواسم بيع المواقف والمبادئ، والاستعراض الهزلي على خشبة مسرح مجلس الأمن الدولي.
أما الجيش السوداني الحكيم فلا يُوصى؛ فضرب الجنجويد ضرب غرائب الإبل، ضربًا يذهلهم، حتى يرفعوا راية الاستسلام أو يهلكوا.
وأما القحاطة، الواقفون على رصيف انتظار الحظر الأمريكي، فليعلموا أن المتغطي بأمريكا عريان.
وكما قال الرئيس البشير: حياه الله وفك أسره.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى