«شتات».. من الغربة إلى أرض الوطن.. مستثمر يراهن على مستقبل الزراعة

«شتات».. من الغربة إلى أرض الوطن.. حكاية مستثمر يراهن على مستقبل الزراعة
إبراهيم الحبيب: استثمرت في السودان أثناء الحرب لأن رؤوس الأموال “هربت”.. والزراعة مفتاح اقتصادنا
حوار: سودان بور
«سلام يا المنجل المركوز
على ضهر البلد تِقيات
ومرحب بالترس ناكوسي
يدفق صرة البلدات
سلام للجنا البدر زرع جدعات
للباجور عموم من سوبا لي بركات»
في الوقت الذي دفعت فيه الحرب كثيرًا من رؤوس الأموال السودانية إلى مغادرة البلاد، اختار المهندس إبراهيم محمد أحمد الحبيب طريقًا معاكسًا، فعاد بجزء من رأس المال الذي كوّنه خلال سنوات اغترابه في المملكة العربية السعودية ليستثمر في السودان، رغم ظروف الحرب.
الحبيب مهندس حاسوب، بدأ حياته العملية في السودان عام 2003، قبل أن تقوده التحولات الاقتصادية عقب انفصال جنوب السودان إلى الهجرة للمملكة، حيث عمل في مجالات عدة واستقر لاحقًا في قطاع الإنترنت وتكنولوجيا الأعمال.
ومن المملكة، بدأ مشروعه الاستثماري في السودان، متنقلًا بين الزراعة والإنتاج الحيواني والآليات والمعدات الزراعية، ومؤسسًا علامة «شتات» التي لا تقتصر على بيع التراكتورات، بل تتجه إلى تصنيع المعدات، وتطوير الميكنة الزراعية، وحصاد المياه، وخدمات ما بعد البيع، إلى جانب مبادرات مجتمعية أبرزها تأسيس «مدرسة شتات المتوسطة للبنات».
في هذا الجزء من الحوار، يتحدث إبراهيم الحبيب عن بداياته، وتجربة الغربة في المملكة، ودوافع العودة إلى الاستثمار في السودان أثناء الحرب، وقصة اختيار اسم «شتات»، ورؤيته للميكنة الزراعية، ومشروعاته في الزراعة والإنتاج الحيواني وحصاد المياه، إلى جانب تجربته في خدمة المجتمع المحلي.
البداية.. من هندسة الحاسوب إلى الاستثمار
بدايةً، عرفنا بنفسك وكيف بدأت علاقتك بالتجارة والزراعة والاستثمار؟
أنا المهندس إبراهيم محمد أحمد الحبيب، مهندس حاسوب وخريج كلية علوم التقانة. نشأت في أسرة معظم أفرادها يعملون في التجارة، كما أن المنطقة التي أنتمي إليها ذات طبيعة زراعية ورعوية، وبالتالي كانت الزراعة والتجارة حاضرتين في حياتنا منذ وقت مبكر.
بعد تخرجي من هندسة الحاسوب عملت في السوق العربي بالسودان منذ عام 2003 وحتى 2013. وبعد انفصال الجنوب بدأت الأوضاع الاقتصادية في السودان تتغير بصورة واضحة، وارتفع الدولار وحدث عدم استقرار في العملة وسوق العمل عندها فكرت في الهجرة وقررت المجيء إلى المملكة العربية السعودية.
ماذا أضافت لك تجربة الغربة والعمل في المملكة؟
السعودية بلد يعلمك أكثر من مهنة. عملت في أكثر من مجال، ثم عدت إلى تخصصي في هندسة الحاسوب، وأعمل الآن مديرًا للمبيعات في مجال الإنترنت وتكنولوجيا الأعمال في شركة تعمل في مجال خدمات الإنترنت «ISP – Net Service Provider».
وبعد فترة من الإقامة والعمل في المملكة، استطعت أن أبني رأس المال الذي أحتاجه، ومن هنا بدأت أفكر في الاستثمار في السودان.
الغربة علمتني الصبر، وعلمتني أن أضع هدفًا وأسير نحوه، وأشعر الآن بالرضا عن نفسي وعن الأشياء التي أعمل فيها؛ لأن لدي هدفًا واضحًا وأسعى إلى تحقيقه.
الاستثمار في زمن الحرب
لماذا بدأت الاستثمار في السودان أثناء الحرب، بدلًا من انتظار انتهائها؟
بدأت الاستثمار أثناء الحرب، وكان ذلك جزءًا من المخاطرة. شعرت أن هذه ربما تكون أنسب فرصة يمكن أن يستثمر فيها الإنسان؛ لأن رؤوس الأموال كانت تهرب وتخرج من البلد. فقلت: إذا هربت كل رؤوس الأموال من السودان، فمن الذي سيبقى لدعم الاقتصاد؟
كان قراري أن أكون واحدًا من الأشخاص الذين يدعمون الاقتصاد ويدعمون وطنهم، وأن يكون الاستثمار أيضًا نوعًا من الوقوف مع السودان في حرب الكرامة، ولكن من الناحية الاقتصادية لذلك قررت شراء مشروعات زراعية، وأمتلك الآن مشروعات زراعية كبيرة في منطقة شرق المزموم وغرب ود النيل، وهي مناطق أهلنا ومناطقنا التي ارتبطت بالزراعة والرعي منذ زمن طويل. وهناك مثل سوداني يقول: «العرجة لي مراحة»، وأنا في النهاية رجعت إلى أهلي وأرض أهلي.
حاليًا استثماراتي مرتبطة بمنطقة ود النيل وبالولايات الزراعية بصورة عامة، ومنها ولاية القضارف وغيرها من الولايات ذات النشاط الزراعي.
كيف تعاملت مع مخاطرة دخول السودان في ظل الحرب؟
أول حاوية بالنسبة لي دخلت السودان في وقت كان فيه الدعم السريع موجودًا في منطقة الفاو، ومع ذلك لم أكن خائفًا، والمثل السوداني يقول: «الممطورة ما بتبالي من الرش».
أنا أصلًا فقدت الكثير؛ فقدت زوج أختي، ووالدتي، وممتلكاتي وسياراتي. لذلك دخلت الاستثمار وأنا أعرف أنني قد أنجح وقد أفشل. دخلت الأمر بنظام «خمسين بخمسين»، أي أنني كنت أعرف أنها مخاطرة، لكنني قررت خوضها، والحمد لله رب العالمين.
هل كانت المملكة نقطة الانطلاق لرأس المال الذي تستثمره اليوم في السودان؟
نعم، المملكة ساعدتني في تكوين رأس المال الذي أعمل به الآن في السودان. فأنا أعيش وأعمل في المملكة، لكن استثماراتي موجودة في السودان.
«شتات».. من التشتت إلى الالتئام
ماذا يعني اسم «شتات»؟ وكيف جاءت فكرته؟
«شتات» هي العلامة التي أعمل من خلالها في مجال التراكتورات والمعدات الزراعية. هناك ماركات موجودة في السودان، ولذلك عندما تعمل في هذا المجال تحتاج إلى اسم تجاري تستطيع أن تعمل من خلاله.
اخترت كلمة «شتات» لعدة أسباب. أهلنا يقولون «شتات» العيش والذرة، بداية الزراعة . وعندما بدأت العمل كان السودانيون قد تشتتوا بصورة كبيرة بسبب ظروف الحرب التي مرت بها البلاد وهناك أيضًا معنى «شتات» في لغة الميكانيكية والسودانيين، للدلالة على السرعة والجري. لكن المعنى الذي أحببته أكثر هو فكرة أن الناس تشتتوا، ولذلك نحتاج إلى أن نلتئم من جديد.
أنا أحب فكرة أن «شتات» لا تعني فقط التفرق، وإنما يمكن أن تكون بداية لاجتماع الناس مرة أخرى.
من التراكتور إلى منظومة زراعية متكاملة
هل تكتفي «شتات» باستيراد التراكتورات وبيعها؟
لا نريد أن نقف عند استيراد التراكتورات وبيعها فقط. «شتات» كعلامة تجارية بدأنا من خلالها في تطوير وتصنيع معدات مرتبطة بالآليات التي نعمل بها.
صنعنا شيئًا اسمه «ديسك هرو»، بمواصفات متطابقة مع قوة وأداء التراكتورات التي نستوردها، كما أدخلنا الزرّاعات الهوائية، ونعمل حاليًا في مجال التصنيع.
الفكرة أن نكون منظومة متكاملة، وأن نساعد على الانتقال من الزراعة المطرية الآلية التقليدية إلى الزراعة المطرية الآلية القائمة على التقنيات الحديثة، حتى نحقق إنتاجية أعلى.
السودان يحتاج إلى ذلك؛ لأن الزراعة والرعي يمثلان العمود الاقتصادي الأساسي للبلاد، ولذلك يجب أن نعترف بأهمية هذا القطاع ونعمل عليه، خصوصًا نحن الشباب.
لماذا اخترت الاستثمار في التراكتورات والمعدات الزراعية رغم تخصصك في هندسة الحاسوب؟
الزراعة هي عماد الأمن الغذائي لأي دولة. ومع التوجه العالمي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي وزيادة الرقعة الزراعية، أصبح الاعتماد على الميكنة والآلات الزراعية أمرًا حتميًا وليس رفاهية.
الاستثمار في هذا المجال مستدام، وهناك طلب مستمر عليه. وأنا أيضًا نشأت في منطقة زراعية رعوية، وربما كان لهذا الأمر تأثير كبير في اختياري لهذا المجال اليوم أمتلك مشروعات في الإنتاج الزراعي والإنتاج الحيواني، وأعمل على ربط هذه المشروعات بالميكنة والتقنية.
كيف تقيم حجم الطلب على التراكتورات في السوق السوداني؟
الطلب في نمو تصاعدي كبير، والسوق ينقسم بصورة أساسية إلى فئتين.
هناك التراكتورات الصغيرة والمتوسطة التي تناسب المزارع والمشروعات الصغيرة، وهناك التراكتورات الضخمة ذات القدرات العالية التي تحتاج إليها الشركات الزراعية الكبرى لزراعة المساحات الشاسعة والمشروعات الكبيرة والسوق السوداني يحتاج إلى مختلف الفئات بحسب طبيعة المشروع والمساحة ونوع الزراعة.
رأس المال.. «سر المهنة»
ما حجم رأس المال الذي بدأت به؟ وكيف طورته؟
بدأت برأس مال محترم، لكن دعنا نقول «سر المهنة» أما تطوير رأس المال فكان بالزراعة، ثم الزراعة، ثم الزراعة، إلى جانب التوريد في مجال التراكتورات، فضلًا عن عملي في السعودية في مجال الإنترنت، وهو مجال دخوله مرتفع.
استثمارات زراعية وإنتاج حيواني وحصاد للمياه
ما أبرز الإنجازات التي حققتها خلال الفترة الماضية؟
لدي مشروعات زراعية، ودخلت في نوعي الإنتاج: الزراعي الحيواني و دخلنا في مفهوم جديد هو حصاد المياه؛ ففي كل مشروع نعمل على إنشاء حفيرة كبيرة يمكن أن تصل سعتها إلى نحو 3000 متر مكعب من المياه، لاستخدامها في فترة الصيف والجفاف الشديد.
هذه المياه يستفيد منها أصحاب الحيوانات، وكذلك الرحل والرعاة وأهلنا في المنطقة.
نحن نريد أن يكون المشروع الزراعي مرتبطًا بالمجتمع المحيط به، وليس مجرد نشاط اقتصادي منفصل عن المنطقة.
ما المحاصيل التي تزرعونها حاليًا؟
نزرع الذرة الرفيعة و القطن، عباد الشمس، السمسم، والتسالي، إلى جانب الإنتاج الحيواني.
كم عدد العاملين في مشروعاتك؟
من ناظر المشروع إلى المشرف والسائقين وغيرهم، يمكن أن يصل العدد إلى أكثر من 25 شخصًا، وفي موسم الحصاد يصل عدد العمال إلى ما بين 100 و150 شخصًا.
والأهم بالنسبة لي أن هؤلاء جميعًا تقريبًا من أبناء المنطقة.
أنا أعمل بمبدأ «خيركم خيركم لأهله»، ولذلك أركز على منطقتنا وأهلنا وتنميتها وتطويرها.
الاستثمار الذي يصنع الفرص
تحدثت عن الخدمات الاجتماعية التي بدأت «شتات» في تنفيذها.. ماذا قدمتم للمجتمع؟
بدأنا، والحمد لله، في مجال التعليم بتأسيس «مدرسة شتات المتوسطة للبنات»، بتمويل كامل من «شتات تراكتور».
الفكرة أن تبقى البنات في قريتنا ولا يضطررن إلى الخروج إلى المناطق المجاورة من أجل الدراسة، بما يحافظ عليهن ويوفر لهن بيئة تعليمية أكثر أمانًا.
نحن نريد أن نحافظ على بناتنا وأن يحصلن على التعليم داخل قريتهن، وبالنسبة لي، الاستثمار يجب ألا يكون مجرد أموال وأرباح، وإنما يجب أن تكون له آثار اجتماعية وتنموية على المنطقة.
التحدي الأصعب..
ما أبرز الصعوبات التي تواجهك كمستثمر خلال الحرب؟
التحويلات المالية فتحويل الأموال من السودان إلى دول مثل باكستان صعب جدًا، وهذه مشكلة حقيقية أمام المستثمر لكننا نرى أن هناك حلولًا يمكن العمل عليها، ان يتم التعاقد في السودان مع البنوك والجهات المصرفية المعنية في الدول التي نتعامل معها، بما يسهل عملية تحويل الأموال نفكر في العمل في مجال الصادر، خصوصًا المحاصيل الزراعية، حتى نضمن عائدًا بالعملة الحرة، ونوظف هذا العائد في توريد الآليات والمعدات الزراعية.









