رأي

البروفيسور محجوب هجّانة يكتب: ارتفاع الذهب عالميًا إلى 4,600 دولار للأوقية… السودان يملك الذهب، فلماذا لا يملك قوته الاقتصادية؟

ارتفاع الذهب عالميًا إلى 4,600 دولار للأوقية… السودان يملك الذهب، فلماذا لا يملك قوته الاقتصادية؟

ثروة ترتفع عالميًا… واقتصاد سوداني لا يزال يبحث عن الدولار!

البروفيسور محجوب هجّانة
خبير اقتصادي ومتخصص في الاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي

إشارة إلى الخبر: جاء هذا المقال تعليقًا على ارتفاع سعر الذهب عالميًا إلى نحو 4,600 دولار للأوقية، وما يطرحه هذا الارتفاع من سؤال اقتصادي صادم: لماذا لا تتحول ثروة السودان الذهبية إلى نقد أجنبي واستثمار وإنتاج ونمو؟

حين يرتفع الذهب، لا يرتفع سعر معدن فقط؛ بل تتحرك خلفه توقعات التضخم، وأسعار الفائدة، والسيولة العالمية، وقوة الدولار، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

لكن السودان أمام مفارقة أكثر قسوة: ثروة ترتفع قيمتها عالميًا… واقتصاد لا يزال يبحث عن الدولار!

تقديرات رسمية سابقة تحدثت عن نحو 533 طنًا من الاحتياطيات المؤكدة. وبسعر 4,600 دولار للأوقية، تقترب القيمة النظرية لطن الذهب من 148 مليون دولار.

لكن السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس: كم طنًا نملك؟

بل: كم دولارًا حقيقيًا يدخل الاقتصاد السوداني من كل طن؟

ويرى بروف هجّانة أن الذهب لا يصبح ثروة وطنية بمجرد استخراجه؛ فقيمته الاقتصادية الحقيقية تبدأ عندما يتحول إلى نقد أجنبي، واحتياطي، واستثمار، وإنتاج، وقيمة مضافة.

أين تذهب القيمة في الاقتصاد الكلي، ارتفاع قيمة الصادرات يفترض أن يحسن شروط التبادل التجاري، ويدعم الحساب الجاري وميزان المدفوعات، ويزيد تدفقات النقد الأجنبي، ويخفف الضغط على سعر الصرف.

لكن ماذا يحدث إذا خرج الذهب ولم تدخل حصيلته الاقتصاد الرسمي؟

يحذر هجّانة من أن السودان قد يخسر الذهب عندما يخرج من الأرض، ثم يخسر أثره الاقتصادي مرة أخرى عندما تخرج حصيلته من الدورة المالية الرسمية.

وهنا المفارقة: «ربما نحن نبحث عن الدولار في السوق، بينما يكون الدولار قد خرج من السودان أصلًا… ولكن في صورة ذهب!»

ويرى بروف هجّانة أن القضية ليست في الذهب وحده، ولا في التهريب وحده؛ بل في منظومة اقتصادية متكاملة تشمل حوكمة الموارد، والحوافز الاقتصادية، والوساطة المالية، وسعر الصرف، والسياسة النقدية.

الحل ليس المزيد من الجبايات

ويؤكد هجّانة أن إصلاح قطاع الذهب يبدأ بتغيير الحوافز الاقتصادية، وجعل الاقتصاد الرسمي أكثر جاذبية من السوق الموازي.

المعادلة واضحة: إنتاج منظم → سعر شراء تنافسي → تمويل المنتجين → تكرير محلي → تتبع للذهب → تصدير رسمي → دخول الحصيلة إلى الجهاز المصرفي.

ثم يأتي السؤال الاقتصادي الأصعب: ماذا نفعل بالدولارات؟

يحذر هجّانة من أن توجيه عائد الذهب إلى الاستهلاك يعني تحويل أصل ناضب إلى إنفاق ينتهي. أما توجيهه إلى الزراعة والصناعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا وتكوين رأس المال والاحتياطي النقدي، فيحوّل الذهب من ثروة خام إلى قدرة إنتاجية مستدامة.

وهنا يصبح معيار النجاح مختلفًا،ليس السؤال: كم طنًا أنتجنا؟ بل: كم أضاف الذهب إلى الاحتياطي؟ وكم دعم سعر الصرف؟ وكم موّل من استثمار؟ وكم وظيفة خلق؟ وكم أضاف إلى الناتج الحقيقي؟

الحرب… الحلقة التي لا يمكن تجاوزها

الحرب ليست مجرد تكلفة أمنية؛ إنها صدمة سالبة للعرض تضرب رأس المال المادي والبشري، وتخفض الإنتاجية، وترفع تكاليف المعاملات، وتوسع الاقتصاد الموازي، وتقتل الاستثمار.

ويرى هجّانة أن حسم الحرب عسكريًا ليس مطلبًا أمنيًا فقط، بل شرط اقتصادي لإعادة تشغيل رأس المال والإنتاج والأسواق.

ويشدد على أن:«حسم الحرب عسكريًا هو أول إصلاح اقتصادي؛ وبعده تبدأ معركة إعادة بناء الإنتاج والمؤسسات والأسواق».

فلا يمكن بناء اقتصاد منتج وسط الحرب، ولا جذب الاستثمار دون استقرار، ولا تحويل الذهب إلى قوة اقتصادية دون مؤسسات قادرة على حماية القيمة وإدارتها.

ارتفاع الذهب عالميًا إلى 4,600 دولار للأوقية… السودان يملك الذهب، فلماذا لا يملك قوته الاقتصادية؟

إذا ارتفع الذهب، وبقي الجنيه ضعيفًا، والتضخم مرتفعًا، والاقتصاد يبحث عن الدولار، فالسؤال لم يعد:

كم نملك من الذهب؟ بل: من يملك قيمة هذا الذهب؟ أين تذهب عوائده؟ ولماذا لا تتحول ثروتنا إلى احتياطي واستثمار وإنتاج ونمو؟

المشكلة ليست في كمية الذهب التي نملكها، بل في قدرة الاقتصاد على تحويله إلى قيمة مضافة، والنقد الأجنبي إلى استقرار، والاستثمار إلى إنتاج ووظائف.

فالسودان لا يحتاج فقط إلى الذهب… بل إلى اقتصاد يعرف كيف يحوّل الذهب إلى مستقبل.

فالذهب الذي لا يصنع مستقبلًا… يبقى مجرد ثروة تحت الأرض.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى