د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى» : علاقات إثيوبيا ودول الجوار.. آبي أحمد والحاجة إلى حكمة النجاشي..!!

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»
علاقات إثيوبيا ودول الجوار.. آبي أحمد والحاجة إلى حكمة النجاشي..!!
■ تفرض التطورات المتسارعة في إثيوبيا نفسها على المشهد الإقليمي، ليس فقط بسبب التحديات السياسية والأمنية الداخلية، وإنما أيضًا بسبب اتساع ارتباطها بحسابات القرن الإفريقي وعلاقات دول الجوار، فإثيوبيا دولة محورية في المنطقة، واستقرارها يمثل مصلحة مباشرة للسودان، بحكم الجوار والجغرافيا والتداخل الاجتماعي والمصالح المشتركة والتاريخ الممتد بين الشعبين، ولذلك فإن قراءة المسار الإثيوبي تكتسب أهمية خاصة من تأثيرها المباشر على أمن المنطقة ومستقبل العلاقات السودانية الإثيوبية
■ وتتحمل حكومة آبي أحمد مسؤولية سياسية في اختيار المسارات التي تحفظ مصالح الدولة وتوسع دوائر استقرارها، لا تلك التي تجعلها أكثر انخراطًا في بؤر التوتر، فإثيوبيا دولة شديدة التعقيد، متعددة القوميات والأقاليم واللغات والامتدادات التاريخية، وتحتاج إلى إدارة دقيقة للتوازنات، وإلى سياسة خارجية تستند إلى حسابات المصالح بعيدة المدى، وتضع استقرار الدولة وعلاقاتها مع محيطها في مقدمة الأولويات
■ ولعل تاريخ إثيوبيا نفسه يقدم نموذجًا مهمًا في الحكمة السياسية وإدارة العلاقات مع الآخرين، وفي مقدمة ذلك سيرة النجاشي الذي ارتبط اسمه في الذاكرة الإسلامية بموقف تاريخي قائم على الإنصاف وحسن التقدير واحترام الآخر، وهي قيمة تتجاوز الواقعة التاريخية ذاتها إلى معنى سياسي وإنساني أوسع، فالدول الكبيرة لا تقاس فقط بقوة نفوذها، وإنما بقدرتها على إدارة قوتها بحكمة، وتحويل موقعها الجغرافي والتاريخي إلى جسور للتواصل والاستقرار
■ وفي الداخل الإثيوبي، تتعدد التحديات الأمنية والعسكرية، مع استمرار نشاط حركات مسلحة، أبرزها «فانو» في إقليم أمهرا، وجيش تحرير أورومو في إقليم أوروميا، إلى جانب التوترات المتجددة في إقليم تيغراي، وهذه ملفات داخلية تخص الدولة الإثيوبية، ولها كامل الحق في معالجتها وفق رؤيتها ومصالحها الوطنية، لكن المهم أن تظل معالجة هذه الملفات في إطارها الداخلي، وألا تتحول تداعياتها إلى دوافع لفتح مسارات جديدة مع دول الجوار، فاستقرار الداخل الإثيوبي لا ينفصل عن استقرار المحيط
■ وفي هذا السياق، تكتسب العلاقات السودانية الإثيوبية أهمية استثنائية، فالسودان وإثيوبيا دولتان متجاورتان تجمعهما حدود طويلة، ومصالح اقتصادية واجتماعية، وتداخلات سكانية، وتاريخ ممتد من التواصل بين الشعبين، ولهذا ظلت الخرطوم حريصة على إدارة العلاقة بضبط النفس والحكمة، حتى في ظل تطورات ومواقف ترى فيها مساسًا بمصالح السودان وأمنه، وهذه السياسة لا تعكس ضعفًا في الموقف السوداني، وإنما إدراكًا بأن الحفاظ على العلاقة بين الشعبين يمثل مصلحة استراتيجية للسودان
■ ومن منظور السودان، تزداد حساسية الأمر عندما تتصل التطورات الإثيوبية بالحرب التي تخوضها الدولة السودانية ضد مليشيا الدعم السريع المتمردة، مع تزايد المخاوف من انتقال تداعيات الحرب إلى دول الجوار أو استخدام أراضيها بصورة تؤثر في مسار الصراع، وهو ما يجعل من الضروري أن تكون دول الجوار عاملًا في تهدئة الأزمة، لا بيئة تسمح باستمرارها أو توسعها، فاستقرار السودان ومحيطه الإقليمي يظل مصلحة مشتركة، وأي توتر إضافي لن يخدم شعوب المنطقة ولا مصالح دولها
■ والمطلوب من أديس أبابا أن تنظر إلى دول الجوار باعتبارها شركاء محتملين في صناعة الاستقرار، لا ساحات إضافية لإدارة الأزمات، فالانفتاح على ترتيبات خارجية لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الإثيوبية قد يحقق مكاسب آنية، لكنه يراكم تكلفة استراتيجية على المدى البعيد، والدولة الكبيرة لا تحتاج إلى زيادة الجبهات من حولها لإثبات حضورها، وإنما تحتاج إلى إدارة مصالحها بطريقة تجعل محيطها أكثر أمنًا واستقرارًا
■ وينطبق الأمر كذلك على الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها سد النهضة والبحر الأحمر، فمن حق إثيوبيا أن تبحث عن مصالحها في التنمية والطاقة والمنافذ البحرية، لكن إدارة هذه الملفات تحتاج إلى رؤية تتجاوز التعبئة الداخلية إلى بناء التفاهمات الإقليمية، فسـد النهضة يمكن أن يكون عنوانًا للتنمية الإثيوبية، كما يمكن أن يكون مجالًا للتفاهم إذا أُدير بمنطق المصالح المشتركة، والبحر الأحمر يمكن أن يمثل مجالًا للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية دون أن يتحول إلى مصدر دائم للتوتر مع الجوار
■ والمطلوب من أديس أبابا ليس التخلي عن مصالحها، وإنما إعادة ترتيب طريقة إدارتها، فالمصالح الوطنية لا تتعارض بالضرورة مع حسن الجوار، بل يمكن أن تتعزز به، وإثيوبيا التي تبني علاقات متوازنة مع السودان وإريتريا والصومال ومصر تستطيع أن تحقق مكاسب أكبر من إثيوبيا التي تجد نفسها في مواجهة أزمات متزامنة على أكثر من جبهة، وكلما اتسعت دائرة التفاهمات حولها، ازدادت قدرتها على حماية مصالحها وتعزيز مكانتها الإقليمية
■ وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مراجعة هادئة لبعض مسارات السياسة الإثيوبية، على أساس أن استقرار إثيوبيا مصلحة للسودان، واستقرار السودان مصلحة لإثيوبيا، واستقرار الجوار كله أساس لمنطقة أكثر أمنًا وقدرة على مواجهة تحدياتها، ولذلك فإن السودان، رغم ما يسجله من ملاحظات على بعض المواقف الإثيوبية، يظل حريصًا على تغليب الحكمة وحماية العلاقات التاريخية وإفشال أي محاولات لتحويل التباينات إلى خصومة دائمة، فخلافات الدول يمكن أن تُدار بالحكمة، ولا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة بين الشعوب
■ وهنا تعود «حكمة النجاشي» بوصفها قيمة تاريخية يمكن استحضار معناها في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، فالقوة الحقيقية ليست في توسيع دوائر النفوذ، وإنما في حسن استخدامها، والسياسة الرشيدة ليست في فتح مزيد من الملفات، وإنما في القدرة على إغلاق أبواب التوتر وفتح أبواب التفاهم، وإثيوبيا بحكم موقعها وثقلها التاريخي والجغرافي قادرة على أن تكون قوة استقرار في القرن الإفريقي، إذا جعلت علاقاتها مع دول الجوار جزءًا من معادلة أمنها القومي
■ إن آبي أحمد أمام فرصة لإعادة قراءة علاقات إثيوبيا الخارجية بمنظور أكثر اتزانًا، يستلهم من تاريخ بلاده قيمة الحكمة والإنصاف وحسن إدارة الاختلاف، فإثيوبيا التي تحسن إدارة علاقاتها مع السودان وإريتريا والصومال ومصر تستطيع أن تعزز مكانتها الإقليمية بصورة أكثر استدامة، وتفتح أمام شعبها آفاقًا أوسع للتنمية والاستقرار، فالصعود الإقليمي لا يكتمل باتساع النفوذ وحده، وإنما بحسن إدارة الجوار، وتحويل الموقع الجغرافي من مصدر للتوتر إلى رصيد للاستقرار، وتلك هي الحكمة التي تحتاجها إثيوبيا اليوم، وربما تكون حكمة النجاشي أحد أهم الدروس التي ينبغي ألا يغيب معناها عن صانع القرار في أديس أبابا







