رأي

د. معاوية عبيد يكتب في صرير القلم: التدريب.. خطوة لبناء مؤسسة زكوية أكثر كفاءة

صرير القلم : د. معاوية عبيد

التدريب.. خطوة لبناء مؤسسة زكوية أكثر كفاءة

جاء ختام الدورة الحتمية للعاملين عليها بديوان الزكاة تأكيداً على أن بناء الإنسان يظل أحد أهم مداخل بناء المؤسسة وأن ديوان الزكاة رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب يمضي في إعادة ترتيب اولوياته و أدواته وتطوير كوادره استعداداً لمرحلة جديدة من العمل المؤسسي .
إن دورة منسوبي الزكاة بالقطاع الشمالي ( نهر النيل ،الشمالية ،الخرطوم و الشركات الاتحادية ) إلى جانب مشاركين من ولايات دارفور وغرب كردفان عكست أهمية التدريب في توحيد المفاهيم وتبادل الخبرات وتعزيز روح العمل الجماعي فضلاً عن إكساب العاملين عليها المعارف والمهارات التي تمكنهم من أداء رسالتهم بكفاءة واقتدار حيث أكدت ممثل وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية ملاك دفع السيد اهتمام الدولة بتطوير العاملين عليها وتعزيز دور الزكاة باعتبارها مؤسسة ذات رسالة دينية واجتماعية واقتصادية تتصل بصورة مباشرة بحياة المواطنين، مؤكدة أهمية مواصلة التأهيل والتدريب باعتباره مدخلاً أساسياً لتجويد الأداء وتحقيق الغايات المنشودة من العمل الزكوي .
ولعل اللافت في هذه الدورة أن الحديث عن التدريب امتد إلى رؤية أوسع لمسار تدريبي متكامل إذ أعلن الأمين العام لديوان الزكاة د. يحيى أحمد عبدالله القمراوي استمرار التدريب واستكمال المسار التدريبي للقطاعات المختلفة خلال الفترة المقبلة بما يجعل التدريب مساراً مستمراً وملازماً للحياة الوظيفية للعاملين عليها مؤكدا أن توصيات الدارسين التي قُدمت خلال الدورة لن تبقى حبيسة الأوراق وإنما سيتم إنفاذها والاستفادة منها في تطوير العمل وهو ما يمنح التوصيات قيمتها الحقيقية فنجاح أي دورة تدريبية لا يقاس بعدد ساعاتها أو عدد المشاركين فيها وإنما بمدى انتقال المعرفة من قاعة التدريب إلى ميدان العمل
وفي خطوة عملية تعكس هذا التوجه أوضح الأمين العام لديوان الزكاة أن الديوان استوعب نحو ( 600) وظيفة في مدخل الخدمة وأن هؤلاء الموظفين سيخضعون للتدريب والتأهيل قبل مباشرة أعمالهم وهذه الخطوة تمثل في جوهرها انتقالاً من مفهوم التدريب بوصفه معالجة لاحقة للقصور إلى مفهوم أكثر تقدماً يجعل التأهيل جزءاً أصيلاً من عملية إعداد الموظف منذ بداية مساره الوظيفي ، فالموظف الجديد الذي يدخل مؤسسة بحجم ديوان الزكاة لا يحتاج فقط إلى معرفة اللوائح والإجراءات وإنما يحتاج إلى فهم رسالة المؤسسة وطبيعة العمل الزكوي وكيفية التعامل مع المزكي والمستحق وفهم المصارف والالتزام بسرعة الإجراء وحسن المعاملة وهي قيم لا يمكن أن تتحول إلى ممارسة يومية إلا من خلال التدريب والتأهيل المستمر، ومن هنا تأتي أهمية المسار التدريبي الذي يعمل الديوان على استكماله في القطاعات المختلفة فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى كوادر تمتلك المعرفة التقليدية بالعمل الزكوي لكنها في الوقت ذاته قادرة على التعامل مع التحولات الجديدة، خاصة في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا واللغات وهي المجالات التي أشار إليها ممثل الدارسين ضمن توصيات الدورة .
وقد أظهر المعهد العالمي لعلوم الزكاة من خلال هذه الدورة أن التدريب أصبح منظومة قائمة على دليل تدريبي ومسارات وظيفية محددة ، فالدورة نفسها امتدت ( 40 ) ساعة تدريبية واشتملت على( 17 ) مادة علمية قدمها عدد من الخبراء والمدربين وقيادات الديوان وأساتذة الجامعات ، وهنا تبرز أهمية الدعوة التي أطلقها مدير عام المعهد العالمي لعلوم الزكاة بروفيسور الصديق عبد الرحيم بتوحيد جهود التدريب داخل الديوان وتعزيز التكامل بين إدارة التدريب وإدارة الموارد البشرية والمعهد بما يضمن الاستفادة المثلى من الموارد والإمكانات ويجعل التدريب أكثر ارتباطاً بالاحتياجات الفعلية للمؤسسة.
مدير إدارة التدريب بالأمانة العامة لديوان بدرية حسن جبريل التي كانت تعمل كالنحلة بمشاركة العاملين في المعهد و إدارة التدريب، من أجل بناء خلية متماسكة في ديوان الزكاة من خلال كادر بشري متدرب و مؤهل و من خلال هذه الجرعات يستطيع العاملين عليها إعطاء اصحاب المصلحة جمهور ديوان الزكاة أطيب الثمر و أفضل الخدمات .
إن الاستثمار في التدريب هو في حقيقته استثمار في مستقبل ديوان الزكاة فالمؤسسات لا تبنى بالمباني واللوائح وحدها وإنما تبنى بالعقول التي تديرها والكوادر التي تحمل رسالتها والقدرة على تحويل الخطط والسياسات إلى أداء ملموس يشعر به المواطن والمزكي والمستحق، والمرحلة المقبلة بما تحمله من تحديات تجعل الحاجة إلى هذا الاستثمار أكثر إلحاحاً فديوان الزكاة الذي استطاع أن يستمر في أداء رسالته خلال ظروف الحرب مطالب اليوم بأن يستفيد من الدروس التي أفرزتها تلك المرحلة وأن يحول الخبرات المتراكمة إلى معرفة مؤسسية والمعرفة إلى برامج تدريب والتدريب إلى أداء أفضل ولذلك فإن استيعاب( 600 ) موظف جديد في مدخل الخدمة وإخضاعهم للتدريب قبل بدء العمل يمثل رسالة واضحة بأن الديوان يريد أن يبدأ مع موظفيه من النقطة الصحيحة وأن يضع التأهيل قبل التكليف والمعرفة قبل الممارسة والمسؤولية قبل الوصول إلى موقع الخدمة وفي المقابل فإن تأكيد الأمين العام على إنفاذ توصيات الدارسين يفتح الباب أمام مرحلة أخرى تصبح فيها الدورة التدريبية نقطة انطلاق لا نقطة نهاية وتتحول توصياتها إلى برامج عمل وممارسات داخل الإدارات والولايات .
هكذا يصبح التدريب جزءاً من مشروع أكبر ، مشروع بناء مؤسسة زكوية أكثر كفاءة وأكثر مواكبة وأكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع ، فالزكاة في جوهرها رسالة وحمل الرسالة يحتاج إلى إنسان مؤهل يعرف واجبه ويمتلك أدواته ويحسن التعامل مع الناس ويؤمن بأن خدمة المواطن ليست وظيفة فحسب وإنما أمانة . ومن هنا يمكن القول إن ديوان الزكاة لا يدرب موظفيه للحاضر فقط بل يعد كوادره للمستقبل مستقبل يحتاج إلى عامل زكوي يمتلك العلم والخبرة والتكنولوجيا ويجمع بين كفاءة الأداء وسمو الرسالة ،إنها معادلة بسيطة في ظاهرها عميقة في أثرها و جوهرها و كلما ارتفع تأهيل العاملين عليها ارتفع مستوى أداء المؤسسة وكلما تحسن أداء المؤسسة اتسع أثر الزكاة في حياة الناس .

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى