محجوب أبوالقاسم يكتب: مناشدة إلى مدير المخابرات..العدالة لا تحمى بإضعاف من حموا الوطن

*محجوب أبوالقاسم*
*يكتب*
*مناشدة إلى مدير المخابرات..العدالة لا تحمى بإضعاف من حموا الوطن*
في أوقات الحروب والأزمات الكبرى تقف المؤسسات النظامية في الصفوف الأمامية دفاعا عن الوطن وصونا لأمنه واستقراره وقد لعبت الأجهزة الأمنية وعلى رأسها جهاز المخابرات العامة دورا محوريا في حماية البلاد خلال مرحلة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ السودان الحديث ومن هنا فإن المحافظة على هيبة هذه المؤسسات وعدالة التعامل مع منسوبيها تصبح مسؤولية وطنية وأخلاقية في آن واحد.
وفي هذا السياق تبرز القضية المثارة في وادي حلفا بشأن ما عرف إعلاميا بقضية أحواض السيانيد والتي تحولت من بلاغ جنائي متعلق بأنشطة تعدين خطرة تهدد البيئة وسلامة المواطنين إلى قضية أثارت كثيرا من التساؤلات حول مسار الإجراءات العدلية وكيفية إدارة التحقيقات فيها.
القضية بحسب ما ورد في البلاغ رقم (258/2025) بدأت عندما اكتشف عدد من شباب محلية وادي حلفا أحواضا للسيانيد تستخدم في استخلاص الذهب بالقرب من المدينة وفي مجرى للسيول وهو ما يشكل خطرا بيئيا وصحيا بالغا على المواطنين وبادر هؤلاء الشباب بإبلاغ الجهات المختصة حيث تحركت إدارة المخابرات بالمحلية وقامت بزيارة الموقع وإزالة الأحواض وفتح بلاغ ضد مجهول وكان الشاكي في البلاغ أحد منسوبي الجهاز برتبة مساعد أمن يتبع للأمن الاقتصادي.
غير أن مسار القضية شهد لاحقا تطورات لافتة حيث تحولت التحريات إلى اتجاه آخر انتهى إلى إدراج اسم الشاكي نفسه ضمن المتهمين إلى جانب عدد من الضباط والأفراد من مختلف الأجهزة النظامية ليصبح من تقدم بالبلاغ في موضع الاتهام الأمر الذي يفتح باب التساؤل المشروع كيف يمكن أن يتحول من بادر بالإبلاغ عن المخالفة إلى متهم في ذات القضية؟
ليس المقصود هنا الدفاع عن أي شخص إذا ثبتت عليه التهم وفق بينات قانونية صحيحة فسيادة حكم القانون تقتضي أن يخضع الجميع للمساءلة دون استثناء لكن في المقابل فإن العدالة ذاتها تفرض أن تكون إجراءات التحقيق والتحري قائمة على قواعد قانونية سليمة وبعيدة عن أي شبهات أو مؤثرات سابقة.
وثارت تساؤلات حول الوسائل والإجراءات التي تم إتخاذها من قبل النيابة.
القضية تشير إلى أن النيابة وهو أمر إن صح فإنه يثير القلق لأن النيابة هي الجهة المناط بها حماية الحقوق وضمان سلامة الإجراءات لا إثارة الشبهات حولها.
ولم تكن هذه القضية وحدها التي أثارت الجدل حول أداء النيابة في وادي حلفا وتدور التساؤلات عن واقعة أخرى تتعلق بإجراءات في قضية قتل مدونة تحت المادة (130) من القانون الجنائي تخص مقتل أحد أفراد شرطة التعدين عن طلب المتحري في القضية وأحد وكلاء النيابة من أحد المتهمين مبلغ مالي لإحضار أولياء الدم من مدينة عطبرة لإكمال بعض الإجراءات المرتبطة بالقضية وذلك كله يحتاج لاجابات صريحة وشافية حتى لاتذبح العدالة وإن صحت هذه التفاصيل يستدعي تحقيقا شفافا من الجهات المختصة حفاظا على سمعة مؤسسة النيابة وترسيخا لمبدأ النزاهة في الإجراءات العدلية.
كما يثير الاستغراب في قضية أحواض السيانيد محاولة إقحام عدد من منسوبي الأجهزة النظامية دفعة واحدة في البلاغ الأمر الذي أعطى انطباعا بأن القضية أخذت مسارا يتجاوز حدود التحقيق الطبيعي إلى ما يشبه الاتهام الجماعي وهو أمر لا يخدم العدالة ولا هيبة المؤسسات.
وعند النظر إلى الخلفية المهنية لوكيل النيابة الذي باشر الملف في وادي حلفا يلاحظ وفق ما يتداول في الأوساط القانونية ارتباطه السابق بما يعرف بنادي النيابة وهو كيان عرف في فترة من الفترات بمواقفه الحادة تجاه الأجهزة النظامية خلال سنوات الاضطراب السياسي وقد يكون من غير المنصف الجزم بتأثير تلك الخلفيات على مجريات القضية، لكن مجرد وجود هذا الانطباع في الرأي العام يفرض ضرورة مراجعة الإجراءات بشفافية حتى لا تتسع دائرة الشك.
إن القضية في جوهرها ليست قضية أشخاص بقدر ما هي قضية ثقة في العدالة وثقة في أن المؤسسات العدلية والأمنية تعمل وفق معايير القانون لا وفق الحسابات السابقة أو المواقف الشخصية.
ومن هنا تأتي هذه المناشدة إلى مدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أمن أحمد إبراهيم مفضل بصفته المسؤول الأول عن مؤسسة لعبت دورا وطنيا كبيرا في حماية البلاد خلال الحرب بأن يولي هذه القضية اهتماما خاصا ليس من باب التدخل في العدالة بل من باب ضمان سلامة الإجراءات وحماية منسوبي الجهاز من أي مظلمة محتملة.
فمن غير المقبول أن يشعر الضابط أو الفرد الذي يخاطر بحياته في خدمة الوطن بأن مصيره قد يصبح رهينة لإجراءات قد يشوبها الخلل أو التحيز كما أن العدالة الحقيقية لا تتحقق بإضعاف معنويات القوات التي ظلت تحرس الوطن في أحلك الظروف.
إن المرحلة الراهنة تتطلب أيضا إصلاحات حقيقية داخل أجهزة النيابة تعزز استقلاليتها المهنية وتمنع أي ممارسات قد تفضي إلى ضياع الحقوق أو التشكيك في نزاهة الإجراءات فالنيابة هي حارسة العدالة وإذا اهتزت الثقة فيها فإن ذلك ينعكس سلبا على منظومة العدالة بأكملها.
إن حماية الوطن لا تتم فقط بالبندقية بل أيضا بعدالة نزيهة وإجراءات قانونية سليمة ولذلك فإن إنصاف المظلوم أي كان موقعه ومحاسبة المخطئ وفق القانون أي كانت رتبته هو الطريق الوحيد لترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
وفي النهاية تبقى الرسالة واضحة
العدالة لا تعني إدانة الجميع ولا حماية أحد بل تعني أن يأخذ كل ذي حق حقه وفق القانون،
وهي مسؤولية مشتركة بين المؤسسات العدلية والأمنية حتى يبقى الوطن آمنا وتبقى مؤسساته محل ثقة واحترام.
ولنا عودة






