رأي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى.. يكتب : الآباء والأبناء: ما بين تحديات عصر العولمة ومهددات الفضاء المفتوح..!

*د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى.. يكتب :*

*الآباء والأبناء: ما بين تحديات عصر العولمة ومهددات الفضاء المفتوح..!*
—————-
*(1)*
نقف اليوم أمام تحد تربوي وحضاري فرضته العولمة وفضاؤها المفتوح: جيلان يسكنان بيتا واحدا، لكنهما ينتميان إلى زمنين معرفيين مختلفين. فالأبناء المولودون بين 1997 و2012 هم “مواطنون أصليون للإنترنت”، وهم ما يعرف في الأدبيات الأكاديمية والصحفية باسم جيل زد (Gen Z). هو الجيل الذي نشأ في حضن التكنولوجيا بالميلاد، وأبناء العصر الرقمي بالفطرة، لم يعرفوا عالما بلا شاشات ولا اتصال دائم. وهذا الجيل يمكن أن يشكل هندسة المستقبل، فهم يعرفون معنى Post (منشور) وStory (قصة) وShare (مشاركة) وLike (إعجاب) وTrend (رائج) قبل أن يتعلموا الحروف. أما الآباء فهم “مهاجرون إلى الإنترنت”، دخلوه كبارا بعد أن تشكل وعيهم في عالم الورق والمجالس، ويحملون لكنة زمن سبق الشاشات والعولمة الرقمية.

*(2)*
ذهن ما قبل العولمة تشكل في بيئة الندرة والمحلية. كانت المعلومة تستخرج بصبر، كالماء من بئر عميقة، فاكتسبت قداسة ووزنا. الكتاب كان رفيقا يقرأ مرات، والمعلم مرجعا لا يرد، والخطأ مكلف لأنه لا يمحى بزر Delete (حذف). الذاكرة كانت داخلية تحفظ في الصدور لا في “السحاب” Cloud (السحابة الإلكترونية)، والزمن خطي له أول وآخر. لذا سادت عقلية الادخار: ادخار المال والمعلومات والعلاقات. الرسالة تكتب بخط اليد، والحديث يبدأ بالسلام لا بـ Hi (مرحبا). الحقيقة كانت راسخة كالجبل، والهوية متجذرة كالنخلة، والخصوصية مصانة بلا Password (كلمة سر).

*(3)*
في المقابل، ذهن ما بعد العولمة ولد في الفضاء المفتوح وطوفان الوفرة. المعلومة تأتيه غزيرة وسريعة كالمطر، لكنها لا تتسرب دائما إلى العمق لأن زر Next (التالي) قريب. الذاكرة خارجية موزعة في “الكلاود” Cloud، وجوجل هو المعلم الأول، والخطأ قابل للتراجع بـ Undo (تراجع). الزمن لحظي يقاس بعمر “القصة” Story 24 ساعة، والصمت فراغ مقلق يجب ملؤه بـ Reel (مقطع قصير) أو Status (حالة). لذا سادت عقلية التدفق: استهلاك سريع، وShare (مشاركة) فوري، وComment (تعليق) لحظي. الحقيقة صارت سائلة تتغير مع “الترند” Trend، والهوية قابلة للتحديث مع كل Profile Picture (صورة الملف). ومن مهددات هذا الفضاء: التنمر Cyberbullying (التنمر الإلكتروني)، والاختراق Hack (قرصنة)، والإدمان Scroll (التمرير المستمر).

*(4)*
هنا تبرز تحديات العولمة ومهددات الفضاء المفتوح: المهاجر، أي الأب يخشى التيه في عالم بلا خرائط أخلاقية، فيتشبث بزاوية يعرفها. يرى في زر Block (حظر) قطيعة رحم، وفي Privacy (الخصوصية) المفقودة خطرا. والمواطن، أي الابن يختنق من الجدران، لأنه اعتاد أفقا بلا حدود. وألطف ما في هذا الاختلاف أن الأب إذا نادى ابنه وهو في غرفته فلم يجب، فلا تغضب أيها المهاجر، أي الأب. الحقيقة أن ابنك الآن “مسافر” في عالم آخر. فهو يحتاج إلى “تأشيرة خروج” من Game (لعبة)، و”جواز مرور” من Chat (دردشة)، و”زمن” لـ Cross Borders (عبور الحدود) الرقمية بين عالمه وعالمك حتى يصلك صوته! فاصبر عليه كما يصبر هو على Loading (التحميل). والمقارنة تبين أنه لا يدان أحدهما. بل إن جيل الآباء يتميز بالذكاء والحصافة، و جيل الأبناء هو جيل رقمي يسكن في الخوارزميات والشاشات والهواتف، يتقن أدوات التقنية وهو جيل مبهر Dazzling ومتميز Excellence وعبقري Genius.

*(5)*
أما مواجهة تحديات العولمة فتبدأ بالكف عن محاكمة ذهن بمنطق الآخر. يحتاج المهاجر، أي الأب أن يتعلم لغة الفضاء المفتوح دون أن يغرق في مهدداته. ليفهم أن ضغطة Like (إعجاب) عند المواطن، أي الابن قد تعني “أحبك”، وأن الـ Share (مشاركة) ليس تبذيرا بل تواصلا. ويحتاج المواطن، أي الابن أن يتذوق لذة البئر العميقة، وأن يدرك أن صبر أبيه ليس عجزا بل حكمة تحميه من Fake News (الأخبار الكاذبة) وScam (الاحتيال). فإذا امتلكت الإرادة والسلطة عليه، فاعلم أنه كما يقال: “من عرف خيرهم”، فقد ملك مفتاح قلبه. لا تبحث عن نقاط ضعفه لتضغط Report (إبلاغ)، بل عن مكامن قوته لتضغط Follow (متابعة).

*(6)*
الجسر هو “الترجمة الحقيقية” لمواجهة العولمة: أن يهدي المهاجر، أي الأب لـ المواطن، أي الابن صبر النخلة ورسوخ الجبل، فيعلمه أن بعض الملفات لا تحذف بـ Delete (حذف)، وبعض العلاقات لا تحتمل Unfriend (إلغاء صداقة)، وأن Privacy (الخصوصية) شرف. ويهدي المواطن، أي الابن لـ المهاجر، أي الأب خفة الطير ومهارة الملاحة، فيعلمه كيف يصنع Group (مجموعة) للعائلة، وكيف يكون Online (متصل) حاضرا لا غائبا، وكيف يتقي Virus (فيروس) الفكر والجهاز. وهدي النبوة يرسم فقه التعايش: “يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا”. فالغاية ليست إغلاق الفضاء المفتوح، ولا ردم البئر العميقة، بل بناء بيت تتسع فيه البئر للارتواء، والسماء للتحليق. وحين يلتقي المهاجر، أي الأب والمواطن، أي الابن على Live (بث مباشر) واحد، فالسؤال لا يكون من على صواب، بل كيف نكتب منشورا Post عن الصداقة والمحبة والاحترام. ما بين الآباء والأبناء ودمتم بخير دام فضلكم.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى